X

*زيارة رئيس الوزراء إلى القاهرة: ضرورة ملحة!*

الواثق كمير

Kameir@yahoo.com

وأنا موجود بالقاهرة لقرابة الثلاثة أسابيع، عادت بي الذاكرة إلى زيارة رئيس الوزراء السوداني، د. عبد الله حمدوك، الأولى للقاهرة، في منتصف سبتمبر 2019 قبل اقل من اسبوعين بعد تشكيل حكومته الانتقالية، ومخاطبته الصادقة للحكومة والشعب المصري. فقد قال في المؤتمر الصحفي المشترك مع نظيره، رئيس الوزراء المصري؛ أنه في وطنه الثاني، بل أن المصريين والسودانيين شعب واحد يعيش في دولتين”! حقا، للزيارة أبعاد تاريخية إذ تعد أول استقبال مصري لرئيس وزراء سوداني “انتقالي” أو “منتخب” منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي. في رأيي، أن المصريين يسعون لبناءعلاقات افضل مع حكومة أفرزتها ثورة شعبية مشهودة في السودان، خاصة وان الإتهام كان قد طالهم من عدة أطراف سودانية بمؤزارتهم لنظام البشير حتى الرمق الاخير! وقد اتفق رئيسا الوزراء على موجهات مشتركة للعمل المشترك، وتكوين مجموعة عمل لتحديد أوجه التعاون.

وبحسب قراءتي للأمور، فإنه بنهاية النصف الثاني من عام 2018 ومع تباشير تغيير كان وشيك الحدوث في السودان، لا شك أن الحكومة المصرية قد تفهمت الأوضاع وأدركت مآلاتها واستشعرت القيادة المصرية اضطرابا بشكل ما قد يطرأ في المشهد السياسي السوداني قد يضر بمصر ويهدد استقرارها. وربما، بدفع من بعض مراكز الدراسات والمثقفين الأكثر معرفة بالشأن السوداني، بدأت القاهرة في افتراع توجه جديد نحو السودان يدعو الى الانفتاح على، والتواصل مع كافة القوى السياسية المدنية والمسلحة، وأن تكون مصر فاعلة في محيطيها الإقليمين الأفريقي والعربي. وأكاد أجزم، أن توجيه الحكومة المصرية الدعوة إلي د. عبد الله حمدوك، بصفته رئيس وزراء حكومة الثورة السودانية، لزيارة القاهرة، بعد وقت وجيز من تنصيبه رئيسا انتقاليا للوزراء، ينبغي فهمها في سياق هذا التوجه المصري الجديد.

وعلى هذه الخلفية، فإن الزيارة المقتضبة لنائب رئيس مجلس السيادة إلي القاهرة، في منتصف مارس الجاري، حفزتني لمخاطبتك بهذه الكلمات المعدودات. فقد أتت هذه الزيارة في أتون جو مشحون بالتوتر بين مصر واثيوبيا، من جهة، وبينها وبين السودان، من جهة اخري، حول قضية سد النهضة، مما أفرز حالة ملحوظة من النفور والعداء وجدت متنفسا لها على الأسافير ومنصات التواصل الاجتماعي.

لذلك، أزعم بأنه من الضروري أن يفكر رئيس الوزراء عاجلا في الإعداد لزيارة إلى القاهرة، وأنا أرجح بشدة أن تدعوه الحكومة المصرية للزيارة قريبا بعد انجلاء وباء فيروس الكورونا. فقد وصلت الرسالة للقيادة المصرية، من نائب رئيس مجلس السيادة، بأن ملف سد النهضة يتبع للحكومة الانتقالية ورئيس وزرائها. تتيح هذه الزيارة لدكتور عبد الله حمدوك أن يصطاد عصفورين بحجر واحد في إتجاه تحقيق المصلحة الوطنية السودانية وترفيع موقع البلاد في منظومة العلاقات المؤسسية في الاقليمين العربي والأفريقي.

فأولا، إن التوتر الذي يشوب العلاقات بين السودان ومصر واثيوبيا، ولو بدرجات متفاوتة، يملي على رئيس الوزراء، أن يقود بنفسه قضية سد النهضة والخلاف المحتدم حول تشغيله، خاصة وأن د. عبد الله حمدوك يملك علاقات جيدة مع الحكومة الاثيوبية ورئيس وزرائها. فتواصله مع أديس أبابا، من ناحية، وزيارته المرتقبه للقاهرة، من ناحية أخرى، تؤهله للقيام بالدور المطلوب لتجسير الفجوة وردم هوة الخلاف بين موقفي مصر وإثيوبيا من القضية. فرئيس الوزراء السوداني من أكثر الملمين بحيثيات، والأقرب اضطلاعا على ملابسات الموقف الأثيوبي، بحكم وجوده المقدر في اثيوبيا ومعرفته باقتصادها السياسي، فلم لا يغتنم فرصة التعرف عن قرب على موقف المصريين وتوجساتهم، ويستمع إلى آرائهم حتى تكلل مهمته التوفيقية بالنجاح؟ وبالطبع، فرئيس الوزراء السوداني ليس بوسيط في هذه الحالة، ولا يجوز أن يكون وسيطا والسودان أحد أطراف القضية، بل هو مبادر للجمع بين القيادتين الاثيوبية والمصرية، وتوفير الدور القيادي للوصول الى تفاهمات تكسب فيها الدول الثلاثة win-win دون خسارة لأي من الأطراف.

هكذا، يضيف رئيس الوزراء إلى نفسه بعدا خارجيا جديدا ويعلي من شأن السودان إقليميا، فلمصر و السودان واثيوبيا القدرات اللازمة لخلق قوة اقتصادية سياسية يكون النيل على رأس ممسكاتها كقاسم مشترك لمشاريع متنوعة الأغراض تبشر شعوب المنطقة بمستقبل زاهر ومزدهر.

وثانيا، ستكون الزيارة الثانية بمثابة مدخل حقيقي لتعظيم الثقة في إدارة الشأن الثنائي بين مؤسسات البلدين، وتفتح نافذة لرئيس الوزراء لوضع بصمته بوضوح في رسم خارطة طريق تحدد مستقبل العلاقات واستقرارها بين السودان ومصر، وتتجاوز حالات الشد والجذب المتكررة تاريخيا بين القيادات السياسية للبلدين، وتحقق ما عجزت عن فعله القيادات السياسية المتعاقبة. وبينما سيلتقي د. عبد الله حمدوك بالمسئولين المصريين على الجانب الرسمي للدولة، فالزيارة أيضا فرصة تسمح له بلقاء نخبة من المثقفين المصريين وقيادات الرأي العام، من الملمين بالشأن السوداني. بجانب ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية مصر كحليف إقليمي للولايات المتحدة الأمريكية حتما تلجأ إليه في الاستشارة حول شواغل المنطقة السياسية، ومن بينها وضع السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب. وأيضا يجدر الذكر بأن القاهرة تحتضن مقر الجامعة العربية مما يستدعي التواصل معها، خاصة في ظل حملة دبلوماسية تقوم بها مصر لكسب الدعم الافريقي. فحضور السودان القوي في هذا المشهد يدعم موقفه الاقليمي وربما يتم التوافق على عقد إجتماع بالخرطوم للمسار السياسي لمشروع سد النهضة بدعوة ورعاية رئيس الوزراء السوداني. لا شك، أن من شأن هذه المبادرة أن تنزع فتيل التوتر في المنطقة، من جهة، وتعزز موقع السودان الإقليمي، من جهة أخرى.

أختم، بأن مصر لاعب أساسي في المعادلة السياسية الإقليمية، ولا مجال للسودان للرحيل من موقعه كجار أزلي لها. فإن الفهم الموضوعي للعلاقات المصرية-السودانية يستدعي أن ننظر إليها في الإطار التاريخي لمجمل السياسية المصرية في التعاطي مع الشأن السوداني، وبالضرورة ما يطرأ فيها من متغيرات تمليها مصالح مصر القومية. فمع ثبات السياسة المصرية الكلية في التعامل مع أنظمة الحكم العسكرية والمدنية المتعاقبة في السودان، إلا أن توجهات هذه السياسة تباينت في سبل التواصل والتداخل مع القوى السياسية السودانية المعارضة، حتى قوى المقاومة المسلحة، وذلك بحسب درجة التقارب مع النظام السياسي القائم في السودان.

فصحيح أن مصر لم تساعم في دعم ثورة ديسمبر مقارنة بإثيوبيا، التي لعبت دورا مهما في توصل قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي للتفاهم السياسي والوثيقة الدستورية، لكن في المقابل مصر أيضا لها تاريخ طويل في دعم قوى المعارضة السودانية، منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، بمختلف أطيافها المدنية والعسكرية. فقد ظلت القاهرة تستضيف، وتحفل بنشاطات كافة القوى السياسية المعارضة منذ ذلك الوقت وحتى التوقيع على اتفاقية السلام الشامل في 2005، وأيضا طوال الفترة الانتقالية، بالرغم من تبدل المشهد السياسي بعد انفصال الجنوب في يوليو 2011. فلم تعمل السلطات المصرية على تضييق المساحة المتاحة للنشاط السياسي المعارض إلا في السنوات الأخيرة التي أعقبت انتخابات 2015 في السودان، وما صاحبها من تطورات إقليمية، وفقا لتقديراتها السياسية.

فما يربط بين مصر و السودان علاقات تاريخية راسخة، حتى مع جنوب السودان بعد إنشاء دولته المستقلة، يفرض علي الجانبين أن يعيدا قراءة ماضيهما، وما شاب العلاقات بينهما من هنات وانتكاسات، لكي نفهم الحاضر ونشق طريق المستقبل، فمستقبل السودانيين والمصريين يكمن في أن يكونوا مع بعضهم البعض. فإنه من المهم أن يكون لرئيس وزراء الثورة وجودا وحضورا مؤثرا على الرأي العام المصري.