X

غسَّال الوزيرة

بقلم: سهير عبدالرحيم

في شارع (47) بالعمارات توقفت على جانب الطريق وأنا في انتظار أحدهم، تناولت علبة طعام وبدأت في تناول وجبة الإفطار، كانت وقتها الساعة تشير إلى الثالثة عصراً، وقد بلغ مني الجوع مبلغاً، لم تمر لحظات قليلة حتى أطل عليّ طفل في التاسعة من عمره من خلف زجاج السيارة، كان يرتدي ملابس المدرسة ويحمل حقيبته على ظهره، الحقيبة والملابس تقاسمتا معاً التواضع والبؤس.
في البدء توقعت أنه يريد أن يتسولني إفطاري كما جرت العادة في شوارع الخرطوم التي يتقاسم فيها المتسولون معك أي شيء تتناوله كيفما اتفق، فأنزلت الزجاج لأحادثه، ولكنه لم ينظر قط إلى طعامي، بل نظر في وجهي مباشرة وهو يقول لي: (عاوزة أغسل ليك العربية؟)، هكذا نطقها بكل كبرياء وأنفة، وكأنه يسخر من فكرتي في تسوله.
قبل أن أفيق من دهشتي، انضم إليّ الشخص الذي كنت أنتظره، سلم على الطفل باسمه ومنحه مفاتيح سيارته لغسلها، سألت ذلك الشخص: كيف يغسل سيارتك؟!
هذا الطفل صغير جداً على مثل هذا العمل!!
فأجابني بأنه زبون دائم له ويجيد غسل العربات وهو طفل ذكي وأمين، كما أنه معروف لديهم، فهو يعود من المدرسة يومياً ويغسل السيارات على امتداد الشارع.
لم تمر برهة حتى أخرج الطفل (أحمد) من حقيبته المدرسية ومن بين الكراسات والكتب خرقة نظافة بلون المعاناة، وعلبة صابون سائل، ثم دخل في ممر ببهو العمارة التي نقف أمامها وعاد وهو يحمل دلواً مليئاً بالماء، بدا واضحاً أنه يخزنه هناك، كما بدا واضحاً أنه لا يستطيع حمله.
ترجلت من السيارة وأمسكته من يده ووقفت معه تحت ظل شجرة، في البدء توجس مني، ولكنه ما لبث أن أطلق ابتسامة صافية وضحكة عذبة حين طلبت صورة سليفي معه كذكرى.
سألته عن دراسته فأجابني بأن ترتيبه الخامس على مستوى الفصل، وأن والده متوفى ولديه أشقاء أصغر منه ولا عائل لهم، وهو يصرف على إخوته من غسل السيارات.
كان يتحدث معي بكبرياء وأنفة، نظر في عيني مباشرة وكأنه يسألني: (وماذا بعد أسئلتك تلك؟)، أحسست حينها بالضآلة والخجل والذل والانكسار: ماذا عساي أقول لك يا صغيري؟!
وبماذا أحدثك؟
هل أحدثك عن وزارة رعاية اجتماعية تنفق ملايين الجنيهات للاحتفال بتسليم طرد رمضاني لأسرة فقيرة كل عام، أم أحدثك عن مجلس الطفولة الذي يبرع في إقامة الورش وتوزيع المرطبات احتفاءً بتدريب بعضهم على أهمية نبذ العنف ضد الأطفال ومحاربة عمالة الأطفال، أم أحدثك عن وزارة تربية وتعليم لا تشعر ولا تعلم أن بعض طلابها يعمل بدوام ثانٍ، ولا يتفقد أحدهم يديك المعروقتين بغسل العربات إلا من أجل البحث عن رسوم الامتحان؟
هل أحدثك عن ديباجة قانون الطفل المصقولة والموضوعة بعناية على مكتبة مجلس الوزراء والتي من أهم بنودها تجريم عمالة الأطفال؟ هل أحدثك عن مجتمع صام عنه المعروف وتفقد الآخر، وكل ما يهمه أن تُغسل إطارات السيارة جيداً ولا تترك آثار قلم الحبر الذي بين يديك على المرآة، ولا يهم حينها إن ابتلت كراستك بمياه الخرقة؟
ماذا أقول لك صغيري؟ نظف تلك السيارة ولكنك لن تنظف قلوبنا المثلجة، اغسل تلك السيارة، ولكنك لن تستطيع غسل عار أمة يعول أطفالُها كبارَها.
خارج السور:
عزيزتي وزير الرعاية الاجتماعية:
لماذا لا تجربين تناول وجبة إفطارك الدسم بعيداً عن التكييف ومكتبك الوثير؟ لماذا لا تحاولين تناول طعامك مع أحمد وأشقائه وهم كثر؟ صدقيني لن يقاسمك أحمد إفطارك ولكنه سيغسل سيارتك جيداً.
] نُشر هذا المقال في صحيفة (السوداني) في عام 2016م.. ونعيد نشره في 2020م لأن الحال كما هو لم يتغير.

%%footer%%