X

حمدوك يطلب قوة أممية للسودان !!

السؤال المهم في العصر الراهن ، هل نحن فعلا نعيش في ظل عصر تملك فيه الدولة سيادتها كاملة ؟ هل الدولة القطرية هي صاحبة الحق الفصل في كل ما يتعلق بخطواتها الداخلية والخارجية ؟ الحقيقة أن هذا لا يحدث في عالم اليوم ، عالم اليوم يمكن تشبيهه بعالم ( الفقاعة الواحدة ) كل الدول ضمن هذه الفقاعة ،إذا انفجرت دولة انفجرت الفقاعة بالكامل وهذا الوضع هو بالضبط ماقاد في نهاية الحرب العالمية الثانية إلى تكوين عصبة الامم لإنهاء مظاهر الدول المسيطرة ، فالعالم وقتها كان يخضع لقانون السيطرة ، كل دولة مقتدرة تسيطر على الدولة الضعيفة ، ترسل جيشها وجنودها وتحتل تلك الدولة بكل بساطة ولا يجرمها احد ولا يتهمها احد بأنها تهدد السلم العالمي او العدالة أو حقوق الإنسان. مرحلة عصبة الامم جعلت العالم فقاعة واحدة كبيرة تحكمها قوانين متشابهة ، كلما مضى الزمان على هذه الفقاعة ازدادت القوانين تشابها بين الدول وبالتالي زالت الفوارق بينها وأصبحت أقرب ما تكون لنسخ متشابهة من الدول وهو ما يجعل هذه الفقاعة متشابهة المنظر من الخارج من اي ناحية نظرت لها.

هذا التقديم قصدت منه تبيان اننا لا نعيش في ظل سيطرة الدولة على نفسها ، بل نعيش في عصر تسيطر فيه القواعد الدولية والقانون الدولي ، وهي مرحلة تاريخية لا يمكن فصلها من مرحلة تطور العالم نحو المناداة بعصبة الأمم ولا يمكن منعها مستقبلا من تطور العالم نحو التحول إلى دولة واحدة كبيرة ( الفقاعة الكبيرة ) . وفي هذا الصدد اقول ان الذين عملوا في الأمم المتحدة يشعرون بهذا ويرونه امام اعينهم وبالتالي هم بالكاد يفصلون بين الدول في عملهم وبالكاد يعترفون بالسيادة القطرية ، فهم لا تحكمهم الحدود الجغرافية والخرائط بل يحكمهم القانون والضمير العالمي ، لذلك لا يرون بأسا في العمل مع دولة علمانية او دولة دينية أو دولة ديمقراطية مادام العمل متعلق بمصير الفقاعة الكبرى ( العالم ) . وفي هذا الإطار تتحلل عندهم الرؤية الضيقة للدولة وتتسع النظرة الكلية للعالم ، لذلك كثيرون مثلا من الموظفين في الأمم المتحدة ينظرون إلى قضايا المناخ و الاوبئة الفتاكة بصورة أكثر جدية من الحرب الأهلية في دولة ما ، فالمناخ والوباء مهدد شامل للفقاعة الكبرى ، يستهدف الجميع بأثاره المدمرة ( راجعوا وباء كورونا في الصين هذه الايام ) ، بينما الحرب الأهلية قد تستهدف منطقة إقليمية محددة .

هذا كله يوضح الخلفية التي صدر منها خطاب رئيس الوزراء حمدوك الخاص بطلب الدعم من الأمم المتحدة فيما يتعلق بعملية السلام ، خلفية رئيس الوزراء الذي عمل لسنين عددا موظفا في الأمم المتحدة تجعله لا ينظر إلى البلاد بشكلها النمطي بل بشكلها المستقبلي كوحدة واحدة من وحدات الفقاعة الكبرى ، وبالتالي ليست لديه حساسية السيادة الوطنية المفرطة ( المزيفة ) ولا هاجس السيطرة الاستعمارية الأممية، فإذا كانت السيادة تعني رفض التعاون العالمي مع الأمم المتحدة فما فائدة الأمم المتحدة اذا وما فائدة العالم العصري الراهن وليعود العالم مجددا لعهد ما قبل الأمم المتحدة حيث تستعمر الدول القوية الدول الضعيفة ، وإذا كانت الأمم المتحدة مستعمرا حديثا فهو قد كان جزء من قوات هذا المستعمر عمل ضمنها في مراكز مرموقة فمتى استعمر بلدا لسرقة خيراته ومتى استعمر بلدا ليذل أهله ويبدل ثقافتهم؟؟! لم يحدث شيئا من هذا .

وافق معظم السودانيون على تعيين حمدوك رئيسا للوزراء ، وافقوا على جعله قيادة تاريخية في لحظة تاريخية، هذه الموافقة لا تعني سوى الالتزام بالرؤى والقرارات التي يصدرها حمدوك ، ولا تعني سوى التسليم بمقدرات الرجل ووطنيته وتاهيله ليكون حاديا لخروج البلاد من سقوطها و ازماتها التاريخية ، على هذا يجب على السودانيين ان يواصلوا الالتزام بهذا الاختيار ودعمه ، القيادة لا تعنى سوى القدرة على اتخاذ القرارات المصيرية التي قد لا تعرف الجماهير معناها الا بعد وصولها مرحلة النتائج ، واختيار القيادة لا يعني بأي شكل من الأشكال انطباق المثل السوداني( نريسه و نتيسه ) بل تعني ان نجعله رئيسا وان ندعمه في قراراته حتى نهاية فترته .

لا نريد أن يحكمنا مجددا رؤساء نمطيون، بل نريد رؤساء غير تقليدين، يملكون القدرة على قراءة العالم ومستقبل المصير الإنساني ويتخذون القرارات على هذا المنوال لياخذونا من بلاد كسيحة إلى بلاد متحركة وديناميكية ، وحمدوك بلا شك احد هؤلاء ، فهلا تركناه يعمل وحاسبناه بالنتائج؟!

sondy25@gmail.com