X

خذوا العبرة من أسلافكم

أحمد يوسف التاي
حدثني ذات مرة وزير الإسكان الأسبق الخليفة عمر حضرة، وذكر لي أن“إمرأة” جاءت إلى الشريف حسين الهندي وأخبرته بأمر التخطيط لانقلاب «نميري» وما كان يدور من اجتماعات سرية لإحكام خطة الانقلاب في منزل جارتها «زوجة الضابط» وقد لفت انتباهها ما كان يجري من اجتماعات في منزل الجيران وعرفت بحسها الأمني أن شيئاً خطيراً يُدبر في هذا المنزل واقتنعت أن الأمر ما هو إلا ترتيب لانقلاب عسكري، لكن تعامل الهندي والأزهري مع الأمر بعفوية شديدة، وتجاهل تام، وما كانت إلا أيام قلائل حتى سمعوا بعدها (المارشات) وتحول حكام السودان بعد نجاح الانقلاب إلى مشردين ولاجئين وسجناء بسبب العفوية التي أداروا بها البلاد أمنياً، وبسبب الاسترخاء الأمني والشيء نفسه حدث مع الصادق المهدي عندما كشف له مدير أمنه العميد عبد الرحمن فرح تحركات (الإنقاذ) حيث تجاهل الأمر وتعامل معه بعفوية شديدة، وتساهل أكبر وقال لمدير أمنه:“أنا متأكد ما حيقوم أي انقلاب“.. وكان قبل ذلك تُنزع (الإبر) من الدبابات وتوضع في مكان ما بمكتب وزير الدفاع ورئيس الوزراء الصادق المهدي للحيلولة دون الانقلابات، أو هكذا كان رئيس الوزراء، وزير الدفاع يحتاط للانقلابات، فما أغنى عنهم ما كانوا يفعلون.
من خلال قراءتي للتاريخ ومتابعتي لأحداثه السياسية وإدارات الأحزاب تملكني يقين راسخ أنه في السودان لا فرق كبير بين إدارة دولة، أوحزب أوبقالة في السوق العربي، أو دكان في الأحياء الطرفية.. العفوية والتساهل وحسن النية وغياب التخطيط هو القاسم المشترك في تلك الإدارات الأربع، فبإمكان أي نصّاب أن يخدعك إذا كنت رئيس دولة «فانيلة ميسي» أو رئيس حزب، أو صاحب بقالة أو دكان صغير.
الدهاء والمكر متلازمتان من متلازمات السياسة، ونقيضهما النوايا الحسنة والعفوية… والعفوية لا تصلح في السياسة فلا بد من دهاء سياسي لإدارة الشؤون السياسية، والدهاء المطلوب في حده الأدنى هو الفطنة وحسن التدبير والرشد، وأخذ الاحتياطات اللازمة وإعمال كل ذلك وتسخيره للمصلحة العامة لا الخاصة.
و”العفوية” الممقوتة في إدارة الشأن السياسي والشؤون العامة في الدولة لن أجد لها تعريفاً وتوصيفاً أدق مما جرى على لسان والي الخرطوم السابق في عهد النظام المخلوع عبدالرحيم محمد حسين حينما قال إن ولايته (ماشة بالبَركة ساي)… والحقيقة أن السودان كله ماشي بـ “البَرَكة” والمشي بالبركة في الاصطلاح هو: ترك الأمور لتمضي دون تخطيط أو تدبير أوتَدبُر أو تدخل لحل المشكلات محل ما تمشي ترسي”…
نظام الإنقاذ المخلوع في أيامه الأخيرة وهو يقترب من حافة السقوط أصبح يتفرج على الأزمات التي صنعها بسوء تدبيره وبؤس سياساته، وأصبح عاجزاً عن فعل شيء ويتفرج على كل شيء وينتظر المجهول وحسب… الآن أخشى أن نكون «ماشين» بذات الطريق وبـ»البركة ساي» نتفرج وننتظر المجهول.. اعتبروا يا أولي الألباب فما زال هناك وقت لاتخاذ القرارات الكبيرة التي يريدها الشعب والتي تجعل البون شاسعاً بينكم والنظام المخلوع… اللهم هذا قسمي فيما أملك.
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

The post خذوا العبرة من أسلافكم appeared first on الانتباهة أون لاين.