حيدر المكاشفي: خليكم صحافيين

الطرفة القديمة التي تسخر من الأوضاع الملتبسة والأحوال الهلامية التي تفضي إليها حالة الاستقطاب الحاد، تقول :إن مواطناً بسيطاً طيباً بينما كان يسير وحيداً في حلكة الليل، إذا بجماعة مسلحة وملثمة تهب في وجهه شاهرةً سلاحها وتسأله بحدة وغلظة دون أي مقدمات «إنت معانا ولا مع التانيين»، إرتبك الرجل للوهلة الأولى وحار جواباً، فعاجلوه بالسؤال بحدة أكبر والأصابع على الزناد، فلم يملك هذا الطيب حتى فرصة ليسأل عن هوية السائلين ويعرف من هم أولئك «التانيين» فأجاب بعجلة «أنا معاكم طبعاً» بظن أن هذه هي الاجابة الأسلم التي ستنجيه من بطش هؤلاء الارهابيين حين يعلن وقوفه إلى جانبهم، ولكن للمفارقة حدث العكس حيث فتح عليه هؤلاء الأشرار نيرانهم وأردوه قتيلاً وهم يرددون «إحنا التانيين»، ومن وحي هذه الطرفة سكَّ أحدهم مصطلح المنبوذين الأحرار ومؤداه لو أنك كنت معانا التانيين حيشتموك ولو حضرتك كنت مع التانيين فنحنا اللي حنشتمك أما لو لم تكن لا مع هؤلاء ولا مع أولئك فالاتنين حيشتموك، والشاعر المصري الشعبي الشهير عبد الرحمن الابنودي أيضاً وظفّ هذه الطرفة في إحدى قصائده الشعبية التي يكتبها ويلقيها باللهجة الصعيدية ويقول في أحد مقاطعها:
أمبارح بالليل طبوا عليَّ أربعة مطاريد..
سألوني إنت معانا ولا مع الناس التانيين..
قلتلهم معاكم، طخوني وقالوا أصلو إحنا الناس التانيين..
طخوني ومت ودمي ساح ع الرصفان..
ما يهمش دمي يسيح أنا مشكلتي الانسان..
وكان ذاك درسا استفاد منه أحد الشفوت عندما وجد نفسه في موقف مماثل وطُرح عليه ذات السؤال إنت معانا ولا مع التانيين، فلم يتردد ولم يتلعثم ولم يتفاجأ بل وضع يده اليمنى على جنبه الأيمن واليسرى على الأيسر وهزّ كتفيه كناية عن الاستهتار وقال: أنا مع العفش، فانخرط أفراد العصابة في نوبة هستيرية من الضحك استغرب لها هو نفسه، فظل يردد وهو يسير بخطى وئيدة مبتعداً عن قبضة العصابة..عالم فاضية..عالم وهم.. الشاهد هنا أن مكيال معانا ولا مع التانيين أو في رواية أخرى معانا ولا مع الخيانة، مكيال خاسر يطففون به الكيل من يكيلون به، ونهج المع والضد نهج ظالم وثنائية مقيتة خاصة إذا انتهجها من يلي أمرا من أمور العباد كبر أو صغر ، ولكنه للأسف ظل فاشياً فينا وحاكماً ومتحكماً في الكثير من أوجه حياتنا، وقد أحدث نهج معانا ولا مع الخيانة فرزاً مزلزلاً في أوساط المجتمعات المهنية قسّمها إلى كويمات، ولن تحتاجوا مني لكثير حديث فذلك ملف طويل وعريض، وانما نحن في حاجة ملحة وعاجلة إلى حكمة ذلك الشفت في أن نكون جميعنا مع العفش، وعفشنا المعني هنا هو مهنة الصحافة، فكونوا جميعكم صحافيون لا غير فيما يخص المهنة وخليكم صحافيون فهل تستمعون وتستجيبون..نتمنى ونأمل في ذلك..

اترك رد