إعادة كتابة التاريخ بعد موت الشهود: علي الحاج وحديث الإفك!

1 -مذكرة الجيش في فبراير 1989 لم تكتبها قيادة الجيش بل كانت نتيجة اجتماع موسع لكل قيادات الجيش في جميع أنحاء السودان من رتبة العميد فما فوق .
2-استدعي القائد العام المرحوم الفريق أول بحري فتحي أحمد علي الضباط الكبار لتنويرهم بالوضع العسكري والأمني ومكاشفتهم في كل شيء بعد الفضائح اللوجستية التي حدثت جراء تكوين لواء الردع، الذي كانت مهمته استرجاع مدينة توريت وبعض الحاميات الاستراتيجية الرئيسة التي سقطت، وتوالي سقوط بعضها الاخر بسبب شح الإمدادات وسوء التسليح . هذا الاجتماع تم بعد تشاور القائد العام مع هيئة الاركان وبالفعل بدأ الاجتماع من 18-20 فبراير 1989 .
3- قبل الاجتماع ذهب القائد العام رفقة رئيس هيئة الاركان الفريق مهدي بابو نمر (وهو سليل أسرة أنصارية معروفة ) الي أمدرمان لإبلاغ الصادق المهدي في منزله بهذا الاجتماع، وشرحوا له طبيعته ووافق علي اجندته.
4-بعد نهاية الاجتماع أبلغوه بالمخرجات قبل كتابة المذكرة وإذاعتها رسمياً. جميع النقاط كانت مطالبية بحتة إذ تركز الامر في الأوضاع السيئة التي يعيشها الجيش. قالوا له ان القوات المسلحة مهمتها الوظيفية هي تنفيذ الإرادة السياسية، فإذا رغب السياسيون في الحرب فيجب عليهم توفير معيناتها، واذا رغبوا في السلام فيجب ان يسعوا باتجاهه، وفي الحالين يجب ان يتوافر إجماع سياسي، وألا يكون قرار الحرب والسلام مرهوناً بالمناورات والمماحكات السياسية والحزبية؛ لتنفيذ أجندات بعيدة عن الهموم الوطنية الأعرض (كان المقصود هنا تلكؤ الصادق لقرابة العام في تنفيذ اتفاق الميرغني قرنق والمناورات المكشوفة من علي عثمان، رئيس الكتلة الاسلامية البرلمانية، لزعزعة الاستقرار وتحريض الطلاب علي التظاهر والمطالبة باسقاط الحكومة).
4-كان الترابي الأكثر استفزازاً للعسكريين عندما التقوا بمجلس الأمن القومي لعرض مشكلاتهم اللوجستية التي شرحها نائب رئيس الاركان للعمليات الفريق مهندس عبدالرحمن سعيد . الترابي، وهو عراب الانقلاب الإنقاذي ومخطط ثورة المصاحف التي أثارت القلاقل ، حضر بوصفه عضواً بمجلس الأمن القومي الذي ضم الصادق المهدي ” رئيس الوزراء “، والترابي “الخارجية “، وعمر نورالدائم ” المالية ” إلي جانب وزير الدفاع.
5-أبلغ الترابي القائد العام للجيش أن المذكرة تمثل انقلاباً، وهي تحرك غير مشروع، رد عليه الفريق ول فتحي أن المذكرة تمثل خلاصة رأي ما يقارب 200 ضابط من قادة الجيش السوداني في كل أنحاء السودان. قال له إن الجيش إذا أراد ان ينفذ انقلاباً ضد الحكومة الحالية فهذا أيسر الأمور، ولم يكن بحاجة لاطلاع رئيس الوزراء بالاجتماع قبل انعقاده . قال له إن المذكرة في ديباجتها وخلال كل بنودها أعلنت التزام الجيش بالمحافظة علي النظام الديموقراطي وان المذكرة تمثل سلوكاً حضارياً مستحدثاً والتزاماً بترك السياسة للسياسيين، والانصراف الي مهام الدفاع عن الوطن . ختم الفريق فتحي رده الناري علي الترابي بقوله ان الجيش دوما هو المتضرر الأول من الانقلابات لانها تلغي الدُفع الأقدم، وبالتالي يفقد الضباط الاكفاء فرص إكمال مدد خدمتهم وتطيح بالتراتيبية والأقدمية فتخسر البلاد ويخسر الجيش .
6-نفذت الجبهة القومية انقلابها يوم الجمعة 30 يونيو 1989م لتقطع الطريق علي اجتماع التوقيع علي مذكرة الميرغني قرنق بوم الثلاثاء 4 يوليو .هدفها كان لإقامة دولة الخلافة الاسلامية السنية الاستوائية التي إستمرت لثلاثين عاماً، ولم نحصد منها كشعب سوي البؤس والفساد والفقر والقهر والظلم والحروب والموت والدمار والنهب، فخسرنا وخسر الإسلام الذي جعلوه لوقو تجاري علامته سبابة مشرّعة في الهواء وصيحات كذوبة رددوها “الله أكبر” وقصدوا منها السرقة والظلم، ولا حول ولا قوة الا بالله !
مودتي.

اترك رد