X

صباحية الأشلاء والدماء.. تفاصيل ما حدث يوم فض الاعتصام

لم تكن تلك الليلة ليلة طبيعية ولا هادئة فقد كانت صاخبة جدا أصوات الرعد وخرير المياه المنسابة من أعلى النفق ثم أصوات الثوار وهي تعلو بالهتاف مخاطبين السحابة (صبت ما صبت صابنها)، ثم يسمع الثوار همساً أصوات الأسلحة؛ فقد كان الجنود يعبون خزاناتها بالبارود ويعمرونها استعداداً للدخول في معركة غير متكافئة بين مواطنين عُزل وجنود مدججين بجميع أنواع الأسلحة.

سحابة تجمعت ثم بكت بحرقة بللت دموعها كل أرض الاعتصام أمام القيادة العامة.. تهاوت الخيام من شدة الرياح التي كانت تنطلق بقوة في تلك الليلة تنذر الثوار بصباح يوم كئيب ولم يكن أحد يكترث إلى تلك الإنذارات.. كانت الحياة داخل الميدان تسير بشكل طبيعي ولم تمنع الأمطار التي كانت تهطل بغزارة حُراس المتاريس من القيام بواجبهم في حماية الثوار داخل الميدان، ولم تمنع أيضاً سكان جمهورية أعلى النفق من الطرق بقوة على حديد السكة الحديد، بكت سماء الميدان على فراق الأحبة من الشهداء والمصابين والجرحى.

هنالك في محيط الميدان كانت تصطف قوات أمنية وهي تنوي فض الاعتصام بالقوة.. ذلك الميدان الذي اقتلع من بداخله دكتاتورية عمرها أكثر من ثلاثة عقود وإمبراطورية مارست أسوأ أنواع العذاب والتنكيل والقهر والفساد والاستبداد بجماهير الشعب السوداني حتى ليلة الثامن من أبريل داخل الميدان، لم تكن تلك الليلة ليلة طبيعية ولا هادئة فقد كانت صاخبة جدا أصوات الرعد وخرير المياه المنسابة من أعلى النفق ثم أصوات الثوار وهي تعلو بالهتاف مخاطبين السحابة (صبت ما صبت صابنها)، ثم يسمع الثوار همساً أصوات الأسلحة؛ فقد كان الجنود يعبون خزاناتها بالبارود ويعمرونها استعداداً للدخول في معركة غير متكافئة بين مواطنين عُزل وجنود مدججين بجميع أنواع الأسلحة، أوصدت في وجوه المعتصمين أبواب إدارات الأسلحة عندما كانت خيامهم تتهاوى بفعل الرياح. توقفت الأمطار بعد أن أقلعت السماء لكن الأرض لم تبتلع مياهها ما دفع بعض الثوار إلى مغاردة بعض مواقعهم قسراً عقب اجتياح المياه لها.

بدأ الجنود يتحركون في الساعات الأولى من صباح التاسع والعشرين من رمضان الموافق 3 يونيو 2019 إلى ميدان القيادة؛ فحسب شهود عيان فإن القوة المهاجمة اقتمحت من جهات عدة ثم أطلقت ابتداءً الغاز المسيل للدموع بكثافة فعميت الأبصار ودمعت العيون ثم بدأوا بالضرب في الثوار مستخدمين العصا والهراوات، ولم يكن أمام حُراس المتاريس إلا الصمود والثبات أمام الآلة العسكرية.. اصطف الأبطال وتمساكوا وهم يواجهون الموت بأجسام نحيلة بللتها الأمطار للتو وبصدور عارية بعد أن خلعوا ملابسهم المبتلة خوفاً من الإصابة بالتهاب القيادة الحاد، ربما لم يكن أحد منهم يتصور أن يقابلهم العسكر بالرصاص الحي عقب استبسالهم ومواجهتهم للغاز المسيل للدموع وفشل العسكر في صدهم بالعصاء وسياط (العنج)، فكان بعضهم يردد مع شاعر الوطن حميد (كضابة يا مطر الدلج.. كضابة سيطان العنج…)، ثم لم يتوانَ الجنود في إطلاق النار على تلك الصدور فسقط الثوار ما بين شهيد وجريح في الحال وتحول الميدان إلى حالة هياج وهتاف (مدنياااااو)؛ بيد أن الذخيرة وحدها من كانت تُخرس تلك الألسن التي كانت تلهج بتحقيق المطالب ليل نهار منذ التاسع عشر من ديسمبر العام الماضي وحتى لحظة فض الاعتصام.
اختلطت الدموع بالدم ورائحة البارود برائحة الدم.. لا شيء هناك.. تحولت ساحة الاعتصام إلى بركة دماء وبعض ما تبقى من مياه أمطار ليلة (الفض)، ولم تترك القوة المهاجمة ورأها سوى لعنة دماء الشهداء وأنين الجرحى والمصابين وعبارات ثورية على جدران جامعة الخرطوم وكوبري القوات المسلحة ومفوضية الشؤون الإنسانية ودار الخريجين وكلية الأشعة ومبنى اتحاد المصارف وعلى شوارع الإسفلت والأرصفة عبارات تندد بالموت وتشجب تصرفات النظام البائد، وتُطالب بالمدنية ورسومات جميلة ربما خطتها ريشة شهيد أو جريح.. لم يكن هناك غير الخيام التي أضرم عليها المعتدون النار والمسرح الرئيسي الذي كان يبث رسائل السلام والوحدة ويغذي روح الثورة ويعلن عن مستقبل سودان الغد، لم يكن هناك غير أشلاء ودماء وأحذية وهواتف نقالة ومكيفات هواء ومواد غذائية كاملة بمليارات الجنيهات، لم يكن هناك سوى تلك العيادات الكاملة المجهزة بأحدث الأجهزة داخل معهد التدريب المهني وكلية أشعة وجوار محطة كهرباء القيادة، لم يكن هناك سوى المتاريس وصدى أصوات الثوار (أرفع يدك فوق والتفتيش بالذوق)، ثم صدى الحجارة فوق النفق يطرقون على الحديد، لم يكن هناك سوى حالة صمت رهيب ودخان ورماد قام العسكر بإزالته حتى لا يصبح مزارا للسودانيين وأطلالا يقف عنده الثوار يتذكرون رفقاء النضال الذين سبقوهم إلى الضفة الأخرى من الحياة الأبدية، وأزالوا المتاريس وبقايا الرماد والأشلاء وآثار الدماء ومحوا بعض العبارات والرسومات، لكنهم لن يستطيعوا أن يمحو تلك الذكريات وملامح الثورة السودانية بآلامها وآمالها ولن يستطيعوا أن يكسروا الإصرار داخل الثوار رغم خواطرهم المكسورة بفراق الأحبة فما بقى الحفاظ على مكتسبات الثورة وعهد الشهداء بمواصلة المشوار.

إذن من فعل ذلك من الذي فض ذلك المهرجان الصاخب وقتل الفرحة في نفوس السودانيين من الذي حول يوم العيد إلى حالة حزن خيمت على جميع البيوت والمنازل، هل هي فعلاً قوات غير نظامية كما ادعى مدير العمليات بقوات الدعم السريع أم هم الإخوان المسلمون، كما نقلت الصحف الإماراتية أمس الأول، أم هم بعض العناصر يتبعون لقوات نظامية كما أعلنت اللجنة الأمنية بالمجلس العسكري الانتقالي ووعدت بنشر نتائج لجنة التحقيق كاملة خلال الساعات القادمة، ثم أين كانت تلك القوات الكثيفة التي كانت تحرس الثوار في أرض الميدان؟ هل صدرت تعليمات من جهة عليا بعدم اعتراض القوات المعتدية على الميدان أم أنها تواطأت معه؟ ثم حدث الاجتياح بلا مقاومة غير التي وجدتها من حُراس المتاريس الذين سقط بعضهم برصاص المعتدين فكانت بدلاً أن تفض الاعتصام فضت قبله شرف الجندية.

في وقت يتمسك المجلس العسكري بأنه لم يقم بفض الاعتصام رغم الاعتداء الذي نفذته القوات العسكرية أمام القيادة العامة على المعتصمين؛ يرى مراقبون دوليون أن المجلس ربما يمهد لتقديم كبش فداء من عناصر عسكرية كان مقبوضاً عليها مسبقاً للخروج من الأزمة التي أدخلته فيها عملية فض الاعتصام بالقوة، موضحين أن المجلس وعد بالتحقيق في المجزرة التي وقعت بحق المعتصمين وتم تشكيل لجنة تحقيق وعدت بتقديم المسؤولين من العناصر النظامية عن ذلك للمحاكمة، بينما يقول محللون عسكريون إن المجلس هو المتهم الأول عن مجزرة الاعتصام باعتباره المسؤول عن كل القوات العسكرية النظامية في البلاد والتي لا يمكن أن تنفذ عملية فض الاعتصام بالقوة وترتكب مجزرة دون صدور تعليمات عليا بذلك خصوصاً أن مكان الاعتصام هو القيادة العامة للقوات المسلحة وليس منطقة نائية في الولايات ليتصرف الجنود على هواهم ويتم الزعم بأن الأمر تصرف فردي، مؤكدين أن وجود قوات عسكرية متعددة في العاصمة ترتدي زياً مختلف الأشكال والألوان يشير إلى وجود فوضى في البلاد، وأن هناك مليشيات ما زالت تعمل على الأرض، خصوصاً أن عدداً من مقاطع الفيديو التي نشرها النشطاء على الإنترنت قبل قطعه رصدت وجود قوات ترتدي تمويهاً عسكرياً متعدداً دخلت منطقة الاعتصام وتمركزت على طول سور القيادة العامة قبل بدأ المجرزة بحق المعتصمين، معتبرين أن ذلك يعني استخدام قوات مشتركة بأوامر متفق عليها لبعثرة المسؤولية الجنائية.

تقرير : علي الدالي

الخرطوم (صحيفة الجريدة)