اخبار السودان لحظة بلحظة

رفع الدعم:متطلبات الإصلاح الاقتصادي وآثارها على ذوي الدخول المنخفضة

تقرير: أمل عبد الحميد

الخرطوم-16-6-2021(سونا) – “حليمة ” اسم على مسمى يتطابق أسمها مع شخصيتها وأفعالها وسلوكها، تصبر وتحلم حتى توفر لقمة العيش لأسرتها من صنع الشاي، تعمل بصبر وأناة، لتدخر يوميا مبلغ من المال يسد حاجة الأسرة من الغذاء والدواء والصرف على تعليم أبنائها بالمدارس والجامعات، فهي العائل الوحيد لأسرة مكونة من خمس من البنات والبنين، جاءت إلى الخرطوم قبل تسع سنوات، عقب فقدها لزوجها في نزاع قبلي بقريتها بإحدى ولايات السودان ودمار مزرعتهم، مصدر دخل الأسرة الوحيد.

 

تشير “حليمة” الى الزيادة المتواصلة في أسعار السلع الاستهلاكية نتيجة لارتفاع أسعار الوقود الأخيرة، فقد ارتفع سعر كيلو السكر من 250 جنيه إلى 300 جنيه للكيلو وارتفع سعر الشاي من 900 جنيه إلى 1100 جنيه للرطل وزاد سعر اللبن ” البدرة ” من 1850إلى 2900 جنيه للكيلو، لكل هذه الأسباب اضطررت لرفع أسعار “كوب الشاي السادة ” من 50 جنيه إلى 100جنيه و” كوب الشاي باللبن” من 100 جنيه إلى 200 جنيه ورفع ” كوب القهوة” من 100 جنيه إلى 150 جنيه، كل هذه الزيادات قابلها الزبائن بتذمر شديد ولكن لا يمكن التراجع عن هذه الأسعار وإلا فإن الخسارة ستلحق بمصدر دخلي ” ووقتها لا أستطيع أن أوفر لقمة العيش لأبنائي “.

 

الارتفاع المتزايد في أسعار السلع والخدمات حدث الأسبوع الماضي عقب تطبيق وزارة المالية لاصلاحات اقتصادية جديدة تمثلت في تحرير كامل لأسعار المحروقات وبحسب التكلفة الحالية، فقد حدد سعر لتر البنزين بواقع 290 جنيها، وسعر لتر الجازولين بواقع 285 جنيها، وقالت وزارة المالية في بيان لها إن سياسة تحرير أسعار الوقود، التي أتت متأخرة جدا، كفيلة بإزالة العديد من التشوهات في الاقتصاد حيث تنفق الدولة حوالي المليار دولار سنويا كدعم للمحروقات، في ظل ديون خارجية بلغت مستوى يتعذر تحمله بحسب صندوق النقد الدولي، فقد وصلت إلى أكثر من 150% من إجمالي الناتج المحلي وعشرة أضعاف الصادرات، حوالي 1000%، وسجل الاقتصاد انكماشا للسنة المالية الثالثة على التوالي في العام 2020 بنسبة بلغت (-3.6%) مع تواصل ارتفاع معدلات التضخم، مما تطلب إجراءات لرفع الدعم السلعي وحصره في الدعم النقدي المباشر للأسر الفقيرة، لتخفيف أعباء الديون بالاستفادة من مبادرة “هيبيك” للدول المثقلة بالديون.

 

رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك أكد في خطابه للشعب السوداني مؤخرا أن تبنى برنامج الإصلاح الاقتصادي هو الخيار الوحيد والواعي الكفيل بإصلاح الوضع الاقتصادي، بالرغم من قسوته وصعوبته مردفا بأنه ” هناك ضوء في آخر النفق..”  و قال ان الحكومة تسلمت خزينة فارغة وديوان مهلكة وحالة حصار سياسي واقتصادي وخلل هيكلي للاقتصاد، ان إيرادات الحكومة  انخفضت بنسبة 40% في ظل كساد الاقتصاد العالمي بسبب جائحة الكورونا-19، مؤكدا وضع عدد من التدابير والمعالجات لتخفيف آثار هذه الإجراءات من ضمنها برنامج الدعم الأسري بتقديم دعم نقدي مباشر لملايين المواطنين وتوسيع مظلة برنامج ” سلعتي” لتوفير السلع الضرورية بأسعار معقولة وتنشيط عمل الجمعيات التعاونية في الأحياء لتيسير وصول السلع الضرورية للمواطنين مباشرة دون وسطاء.

رفع الدعم على المحروقات أعقبه أعلان الجهاز المركزي للإحصاء عن ارتفاع معدل التضخم في شهر مايو الماضي إلى 378.79% مقارنة ب363.14% خلال شهر أبريل وكانت الحكومة قد قامت بتحرير سعر صرف الجنيه في محاولة منها لزيادة التدفقات الخارجية والتغلب على شح العملة الأجنبية الذي تسبب في نقص حاد لأهم السلع الأساسية، من الدواء والمواد البترولية وارتفع سعر صرف الدولار أمام الجنيه السوداني بعد الغاء اسعار الصرف المتعددة إلى حوالي 475 جنيه وتوقع اقتصاديون استمرار ارتفاع معدلات التضخم ومقابلة ذلك بانخفاض القوة الشرائية.

الاقتصادي الدكتور صدقي كبلو قال إن قرارات رفع وتحرير أسعار المحروقات جاءت بعد أن بلغ التضخم في شهر مايو 378%، مما يعني أن المواطن ظل يعاني قبل زيادة الأسعار، مضيفا بأن قرارات الزيادة والتحرير سترفع من المعاناة، إذ أن أسعار المواصلات والنقل سترتفع وكذلك تكلفة الإنتاج الزراعي والصناعي وتكلفة إنتاج الكهرباء لقطاع الإنتاج والخدمات.

وأكد كبلو أن برنامج ” ثمرات” وهو برنامج دعم الأسر الفقيرة الممول دولياً، لن يكون له أثرا كبيرا فهو يوفر، 2.5 ألف جنيه في الشهر وهي لا تكفي المواصلات ذهابا وإيابا والتي تبلغ حوالي 3 ألف جنيه في الشهر للفرد.

 اما الدكتور أنور محمد أحمد علي أستاذ الاقتصاد الكلي، فقد قال إن رفع الدعم عن السلع في الوقت الراهن قرار جانبه الصواب لم يستند على منهجية اقتصادية مشيراً إلى أن القرار لم يصاحبه الافتراضات والتوقعات بتأثير تغيير حجم الدعم وسرعة انتقال الأثر على المواطنين، مضيفا بأن رفع دعم عن المحروقات سيدفع بأسعار كل المنتجات السلعية والخدمية نحو الارتفاع ليدور الاقتصاد حول حلقة تضخمية تصل إلى الأسوأ، بما يعرف بالتضخم “الركودي”.

 لكن الدكتور سليمان عبد الكريم جدو الخبير الإستراتيجي، قال إن تعافي الاقتصاد في السودان والنهوض به نحو تحقيق النمو أمر لا يمكن تصوره دون تبني الحكومة لإصلاحات للاقتصاد الكلي والتي تتطلب إعادة هيكلة الموازنة والسياسة المالية في البلاد لدعم القطاعات الإنتاجية التي ترتبط بالإنتاج الزراعي والحيواني  والصناعي وتطوير العنصر البشري مضيفا بأن هناك خمسة مليون نازح يعيشوا بمعسكرات النزوح، كلهم من المزارعين والرعاة، الذين خرجوا من دائرة الإنتاج وتأثير ذلك على الإنتاج القومي للبلاد.

وأكد أن الحلول تكمن في تحكم وزارة المالية في كافة الإيرادات وتحديد أوجه الصرف بشفافية وترشيد الصرف الحكومي ومحاربة الفساد، وخفض معدلات التضخم وتدني سعر الصرف وإعادة تأهيل القطاع المصرفي واستعادة ثقة الجمهور، مطالبا الحكومة الانتقالية بضرورة وضع سياسات مصرفية مبنية على القانون لتحقيق المساواة وإعادة الثقة المفقودة وأن تباشر المصارف تمويل الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي وتسهيل إجراءات الصادر والشفافية في الصرف على الإنتاج والصادر.

تحديات عديدة تواجه السودانيين لمقابلة تداعيات رفع الدعم عن الوقود وتوقعات برفع أسعار الكهرباء ضمن سلسلة الإجراءات الاقتصادية التي وضعها صندوق النقد الدولي، كل ذلك يزيد من معاناة “حليمة” لارتفاع إنفاقها على إحتياجات أسرتها ” وهو أمر يصعب تحمله” بحسب قولها، فما تفرضه الأوضاع الاقتصادية الجديدة، يحتم على “حليمة” المزيد من الاقتصاد حتى في الغذاء!.

وكالة السودان للأنباء  ” سونا ” 

اترك رد