X

يسعون إلى إقصاء خصومهم السياسيين من المنظمات الدولية وليذهب السودان إلى الجحيم

أيوب صديق
أعددتُ هذا المقال لما انتابني من شديدإحباط،لسبب ما كنتُ أتصور حدوثه بالدرجة التي حدث بها، في بلد كان يُرجى فيه العملُ على تجاوز الخصومات السياسية الحزبية الضيقة النتنة، لما باتت تضعه على الدوام من صعاب، في سبيل النهوض ببلادنا طوال تاريخها منذ أن نالت استقلالها. وكان ذلك أكثر رجاءفي أعقاب ثورة قادها ضد نظام الإنقاذ، شبابٌ ولد معظمهم في عهد الإنقاذ، وتعلموا وخرجوا للحياة فيه، ولكنهم عندما شعروا بأنهم توفرت لهم أسباب الثورة عليه ثاروا عليهفأسقطوه، بمساعدة الجيش، الذي لولاه لما سقط النظام حتى ولو بقي الاعتصام أمام قيادته العامة أشهرا. وإذا بالجيش نفسه الذي أجبر النظام على التنازل من السلطة، تتعالى أصواتٌب إنكار فضله في ذلك، إلى الدرجة التي باتت تطالب تلك الأصوات الناكرة، بإقصائه من السلطة بالكلية. وإنكارُ فضلٍلمن له فضلٌ في أي شيء في بلادنا، صفةٌ عُرفنا بها من المؤسف. وهي في أصلها ناتجة عن الحسد الممض، الذي اشتهرنا به على مستوى الأمة،لدرجة جعلت الانجليز الذين حكمونا بالأمس، يذكرونها لعدد من أسلافنا الذين عاصروهم، وتوقعوا لهم بأننا نتيجة لها، سنخفق في إدارة شؤون بلدنا بعد خروجهم منه. ومن المؤسف فقد صدقوا في كثير مما توقعوا حدوثه.
إن أكثر ما تكون صفة الحسد المقيتة أسوأ حالاً،عندما تقترن بلؤم الخصومة السياسية،التي يُضحى في سبيلها بكل مصلحة للوطن، مهما بلغت أهميتها وعلا شأنها. وأكثر ما يكون المرء منا محسوداً في بلادنا وممقوتاً في نظر خصومه السياسيين فيها، إذا تبوأ منصبا باسم السودان، في مؤسسة من المنظمات الدولية. والعمل في المؤسسات الدولية، شرف تتنافس فيه الدول، لإيجاد مناصب لممثليها فيه، ليحققوا لها من ورائه ما يكون فيه الخير لها. وقد أدركتُ أثناء وجودي في خضم الإعلام البريطاني لمدة طويلة، واطلاعي على متوفر المعلومات، كيف يكون ذلك التنافس بين الدول في هذا المجال. ورأيتُ ممثلين أبقتهم دولهم في مناصبهم في المؤسسات التي يمثلونها فيها سنواتٍ طويلة تقديراً لهم، وحفاظاُ على ما يقومون به من عمل يشرفها. وأذكر أنني أثناء عملي في التلفزيون السوداني، أنغطيتُ جلسات مؤتمر بعنوان:(الدبلوماسية والتنمية) نظمه الدكتور منصور خالد عليه رحمة الله، عندما كان وزيرا للخارجيةفي عام 1973، واشترك فيه خبراء من الأمم المتحدة وبعض الدول. ومن الذين حضروا ذلك المؤتمر الدكتور عصمت كتاني، مساعد السكرتير العام للأمم المتحدة الذي كان آنذاك الدكتور كورت فالده هايم. كان الدكتور عصمت كتاني مندوبا للعراق في الأمم المتحدة قبل ذلك. وكان قد التحق بمؤسساتهامنذ 1958، وبمقابلتي له في ذلك العام، كان له في الأمم المتحدة 15 عاما. بعد ذلك رجع إلى العراق ليشغل في الفترة من 1975 إلى 1980منصب رئيس دائرة المنظمات والمؤتمرات الدولية في وزارة الخارجية. وبعد ذلك أُرجع إلى الأمم المتحدة مندوباً دائماً للعراق فيها. قضى الرجل كل هذه السنوات في الأمم المتحدة تقديرا للدور البارز الذي كان يؤديه لبلده، دون أن، تلوكه ألسِنةُ الحاسدين كما عندنا بأنه ( طول زيادة عن اللزوم وكفاه ولازم يرجع) وذلك من منطلق الحسد الذي يأكل النفوس. لقد أورد تُذكر الدكتور عصمت كتاني هنا، مثلا للشخصيات التي تحرص دولها على إبقائها أطول مدة في تلك المؤسسات، طالما أنها تؤدي عملها بالمستوى المشرف لها، وذلك أمر له صلة بالموضوع الذي حتم علي كتابة هذا المقال.
كان لبلادنا وجودٌ مقدرٌ في كثير من المؤسسات الدولية والإقليمية، بمندوبين كانوا لجدارتهم فخراً لها وركائز يدعمون مواقفها في كل آن وحين. ولكن بسبب الكيد السياسي، فإن ذلك لم يَرض عنه، في عهد ما بعد الثورة في بلادنا، بعضٌ ممن آلت إليهم أمور السلطة فيها، فطفِقوا يسعون وراء من يخالفونهم في المذهب السياسي من بني وطنهم، لإخراجهم من مناصبهمالتي هم فيها،في عدد من المنظمات الدولية والإقليمية، إرواءً لصادي الانتقام في نفوسهم، وإشباعاً لسخيمة المقت السياسي فيها. وذلك مما اطلعتُ عليه من رصدٍ لأحد أبناء بلادنا، من موقع عمله في إحدى المنظمات الدولية. وأنا أورد هنا ما قاله، بذكر بعض الأسماء التي كانت سبب ما خطه قلمه، لأنها جزء من حقيقة ما جرى مما يُؤسف له. فقد ذكر فيما أورده، رجلين كان لكل منهما موقف بارز مضاد للآخر، أحدهما هو الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس وزراء الفترة الانتقالية الحالية، الذي شكل وزارته الثانية في الآونة الأخيرة، والثاني هو الدبلوماسي القانوني التشادى موسى فكي محمد، رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي، الذي انتُخب في الآونة الأخيرة لدورة ثانية مدتها أربع سنوات.
يقول ذلك الأخ السوداني:” كسوداني لن يهمني من يحكم السودان، وكنت أضع آمالا عريضة على التغيير الضخم الذي حدث في السودان، وأنه سيكون مناسبة وطنية تلم الجميع لتنهض بالبلد”ويمضي فيقول:” ظللتُ منذ سنتين أتابع كلما يحدث في السودان بدقة، وكل السودان يعرف ما وصلنا إليه من ترد. ولكن أربعة حوادث لها علاقة بوجود السودان في المنظمات الدولية، مجال عملي، وفي مناصب غير مسبوقة في تاريخه، لفتت انتباهي لقمة جليد مصيبتنا في السودان.والحوادث الأربعة هي:
1 – من المعروف أن السيد موسى فكي قد التقى لأول مرة في حياته بعبد الله حمدوك في منزل السيدة أميرة الفاضل، مفوضة الشؤون الاجتماعية في الاتحاد الإفريقي في وليمة بمنزلها، وكان عبد الله حمدوك وزوجته بحسب كثيرين من الزملاء، أصدقاء مقربين من السيدة اميرة الفاضل، وتعد أميرة أول مسؤول في تاريخ الدولة السودانية، ينال هذا المنصب الرفيع. وهناك في منزلها تعرف حمدوك على قيادات حكومية بارزة مثل البروفسور غندور ودكتور مصطفى عثمان وآخرين. وهو عائد للسودان لاستلام منصبه رئيسا للوزراء، ترك حمدوك وزوجته بعض متعلقاتهما في منزل السيدة أميرة كأمانات بحكم ما بينهم من صداقة أسرية…وحين أصبح حمدوك رئيساً لوزراء السودان، وفي أول زيارة له لأديس أبابا، ذهب لمفوض الاتحاد الافريقي السيد موسى فكي في مقر المنظمة وطلب منه إقالة السيدة أميرة الفاضل من منصبها. لم يصدق موسى فكي ما سمع فقال لحمدوك: إنه لا يصدق أنه يعنى ما يقول، وذكَّره بأن السيدة أميرة الفاضل هي التي عرفتنا عليك. وأخبره بعد تقريعه،بأنه لا يستطيع إقالتها، لأنها تولت منصب مفوضة الشؤون الاجتماعية بجدارة إذ أحرزت أصوات 52 دولة من 56 دولة هم جملة أعضاء الاتحاد الإفريقي، ومن ثم فقمة المنظمة هي التي يمكن أن تقيلها بالتصويت ضدها. وأردف فكي محذراً حمدوك بأنه لو تمت إقالة أميرة الفاضل من قبل المنظمة، فمن المؤكد أن المنصب لن يكون من نصيب السودان، وهي شخصية مؤهلة وذات خبرات وتم تقييم أدائها على أنه متميز داخل الاتحاد الافريقي ودوله. ويمضي الكاتب قائلاً: “لم يكتف حمدوك بذلك، بل بعث وزيرة خارجيته أسماء عبد الله لنفس المهمة المخجلة، اللاوطنية وقوبلت بنفس الرد وعادت بخفي حنين”.
ويقول الكاتب: “لم يكتف الحزب الشيوعي ومنسوبوه بتحريض حمدوك وأسماء. فقد زارت السودان السيدة بينيتا ديوب، وهي سنيغالية الجنسـية ومسؤولة عن قضـايا (الجندر)، فتجمع لها عدد من النساء الشيوعيات؛وهن ناهد جبر الله، وإحسان فقيري،وهالة الكارب، وشيوعيات أُخريات من منظمة”منسم” الشيوعية، وقدمنلها خطاباً بمطلوباتِ تمكين المرأة في السودان. وفي أول بند فيه طالبنها بإقالة أميرة الفاضل من منصبهافي بالاتحاد الافريقي. انتفضت السيدة السنيغالية، واحتجت على تصرفهن الذي وصفته بأنه مشين ولا علاقة له بطلب دعمهن داخليا وتطوير قدراتهن كنساء. وقالت لهن إنها جاءت الخرطوم، بعد رجاء من أميرة، لمعرفة ما تريد المرأة السودانية، وأن أميرة أكفأ من عملت معهن طوال حياتها. وقالت السيدة السنغالية لهن إنها لن تحمل خطابهن ما لم يسحبن بند إقالة أميرة!!!”. وقال الكاتب إن الحديث الدائر بين الوفود هو عن الحسد بين السودانيين. وقال: ” وأمس طلبت قمة الاتحاد الافريقي من السيدة أميرة الفاضل الاستمرار في منصبها لمدة سبعة شهور لعدم وجود بديل لها، مع الإشادة بإنجازاتها وبينها ما بذلته في مكافحة جائحة كورونا التي استفاد منها السودان، وحرص حمدوك وأكرم (كورونا) على عدم ذكرها لما جلبت للسودان من معدات وأجهزة لمكافحة كورونا من الصين.”!!!
2- ثم يقول الكاتب لم يتوقف حمدوك (الذي هو طوع بنان الحزب الشيوعي)، ولم يتعلم من إحراج الاتحاد الإفريقي له بشأن أميرة،” “فكتب لمدير عام منظمة الصحة العالمية الإثيوبي طالبا منه إقالة كبير مستشاريه الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل من منصبه!!! فرد عليه مدير المنظمة العالمية بأن الدكتور مصطفى يعمل مستشاراً في مكتب المدير العام، وهي وظيفة من صلاحيات المدير العام، وخارج حصص الدول الأعضاء!!! ومرة أخرى ظهر جهل الخبير الدولي حتى بنظم المنظمات التي كان يعمل فيها”
3- “اجتمع حمدوك وأسماء عبد الله بأبو الغيط، أمين عام الجامعة العربية وطالباه بإقالة مساعد الأمين العام للجامعة العربية، السوداني كمال حسن على، فقال أبو الغيط لحمدوك إن السودان سيفقد المنصب لو فقد كمال حسن على المنصب، فقا له حمدوك إن السودان ليس حريصا على المنصب!!!”ثم يعقب الكاتب قائلاً:” وجود سودانيين في قمة الكفاءة في منظمات دولية يعود بالنفع على السودان ولكن المرض غرض. يا لحسرة السودان.”
4- “أخيراً اتصل عمر قمر الدين المكلف بمنصب وزير الخارجية، وبتكليف من رئيس الوزراء حمدوك، بالأمين العام لجامعة الدول العربية طالبا منه إقالة أو عدم التمديد للعالم الدكتور الدخيري، المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الزراعية، ورد أمين عام الجامعة العربية على عمر قمر الدين بأنه إذا تمت إقالة الدكتور الدخيري أو عدم التمديد له، فمنصب المدير العام لن يكون من نصيب السودان، فقال له عمر قمر إن السودان ليس حريصا على المنصب!!!ثم يعقب الكاتب قائلاً: ” المفارقة أن عبد الله حمدوك شخصياً كان مرشح السودان في العهد السابق لثلاثة مناصب دولية من بينها الكوميسا، وكان ضيفا ثابتاً على سفارات النظام، التي كانت تدعمه لأنه سوداني ويعمل في منظمات دولية”. ثم يقول الكاتب عن أهل النظام السابق بالنسبة إلى حمدوك:” كان ظن المساكين مثاليا في الرجل…..”
أصل بهذا القدرإلى خاتمة ما قاله هذا الرجل، الذي هو الآخر يعمل في منظمة دولية، ويعمل بها نفر من أبناء جلدته مثله، ويتربص بهم بسبب الكيد السياسي قوم من بني وطنهم لإقصائهم من مناصبهم التي يعملون فيها باسم السودان،ولسان حال أولئك المتربصين بهم يقول؛ ليذهب السودان إلى الجحيم في سبيل الحزب.

المصدر: صحيفة الانتباهة