X

مسألة نتوء وادي حلفا المغمور (1)

دكتور فيصل عبد الرحمن علي طه

ftaha39@gmail.com

د.فيصل علي طه

* قبل أن نعرض لمسألة النتوء، ربما يكون مفيداً للقارئ أن نتناول بالعرض التفصيلي اتفاقية 19 يناير 1899 بشأن إدارة السودان بين «جلالة ملكة الانكليز وحكومة الباب العالي خديو مصر». وذلك من منطلق أنه لو قدِّر للنزاع الحدودي بين السودان ومصر أن يُحال بإتفاقهما إلى محكمة العدل الدولية أو إلى التحكيم الدولي، فإن هذه الاتفاقية وكافة الوقائع التي أعقبتها وحتى إحالة النزاع إلى مجلس الأمن في فبراير 1958، سيكون لها دور محوري مهم. وقَّع الاتفاقية كرومر عن الحكومة الانجليزية ووقعها عن الحكومة المصرية بطرس غالي ناظر الخارجية في نظارة مصطفى فهمي.

* مصدر الأفكار التي ضُمنت في الاتفاقية هو كرومر معتمد بريطانيا وقنصلها العام في مصر آنذاك. وقد عَهِدَ كرومر بمهمة الصياغة إلى سير مالكوم مكلريث المستشار القضائي للحكومة المصرية. في أصلها الانجليزي وُصِفَت الاتفاقية بأنها «اتفاقية»، وأما في ترجمتها العربية فهي «وفاق». وسواء كانت هذه أو تلك فإن تقدير ما إذا كان الصك ملزماً لا يكون بالنظر إلى اسمه، بل بالنظر إلى فحواه لتحديد ما إذا كانت هناك نية إنشاء علاقات قانونية بين أطرافه. في الفقرة الفرعية 1 (أ) من المادة 2 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 والتي تدوِّن القانون الدولي العرفي، نجد تعريف المعاهدة بأنها اتفاق بين دول في صيغة مكتوبة، يحكمه القانون الدولي وأياً كانت تسميته. وفي قضاء محكمة العدل الدولية أُلزِمَت دولة ببيان مشترك، وألزِمَت دولة أخرى بمذكرة تفاهم، لأنها – أي المحكمة – قد قرأت في كليهما نية إنشاء علاقات قانونية. ويوجد أصل اتفاقية 19 يناير 1899 في ارشيف المملكة المتحدة بكيو قاردنز ضمن وثائق وزارة الخارجية البريطانية.

* من المرامي الأساسية لاتفاقية عام 1899 ضمان الغلبة والتسيد البريطاني في السودان وذلك لتفادي فساد الحكم الذي ساد في العهد الذي كان قائماً بالأمر قبل الثورة المهدية، ثم جعل تلك الغلبة رسمية ودائمة. وقد تكفلت بذلك المادتان الثالثة والرابعة من الاتفاقية. وفي المذكرة التفسيرية لمسودة الاتفاقية التي بعث بها كرومر إلى لورد سالزبري في نوفمبر 1898، ورد تنويه بأن هاتين المادتين هما في بعض جوانبهما الأحكام الأكثر أهمية في الاتفاقية.

* وفي المذكرة التفسيرية للاتفاقية أيضاً، أغلظ كرومر النصح بعدم ضم بريطانيا للسودان أو الاعتراف به كجزء من ممتلكات الدولة العثمانية لا يختلف بأي نحو عن بقية الأراضي المصرية. وحذر كرومر من أنه إذا أصبح وضع السودان مماثلاً لوضع مصر من كل الجوانب، فإن النتيجة الحتمية لذلك ستكون إدخال نظام الامتيازات الأجنبية إلى السودان. وقد نصت المادة الثامنة من الاتفاقية على الا تمتد سلطة المحاكم المختلطة على أية جهة من جهات السودان ولا يعترف بها فيه بوجه من الوجوه.

* المادة العاشرة من الاتفاقية كانت تسمح بتعيين قناصل في السودان إذا صادقت الحكومة البريطانية على ذلك. ومع ذلك لم يُعيَّن أي قنصل أجنبي في السودان حتى نهاية عهد الحكم الثنائي. وعند التعليق على طلب الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1906 تعيين قنصل لها في السودان، ركز كرومر بشكل أساسي على حقيقة أن وضع السودان مختلف عن مصر. فبموجب اتفاقية 1899 فإن الأجانب لا يخضعون لولاية قناصلهم. كما أنهم لا يتمتعون بالميزات التي يكفلها لهم نظام الإمتيازات الأجنبية المطبق في مصر وفي أجزاء الدول العثمانية الأخرى.

* وكان كرومر قد توقع أن يُطعن في حكم المادة العاشرة من الاتفاقية أولئك الذين يظنون أن مركز السودان لايختلف عن الأقاليم العثمانية الأخرى وتوقع أن يرتِّب ذلك مشقة للأوروبي الذي يتزوج أو يدفن في السودان. لذلك نصح كرومر الأوروبي الذي يرى أنه من المهم أن يصدق قنصل بلاده على زواجه أو موته، أن يبقى في الإقليم الواقع شمال خط عرض 22 درجة شمال.

* للفائدة نذكر أن أقصى تمثيل أجنبي تم في السودان قبل الاستقلال كان بدرجة ضابط اتصال. ففي فبراير1950 مثلاً سُمح بتعيين ضابط اتصال فرنسي في السودان ليعالج المسائل الإدارية والمالية المرتبطة بعبور حجاج أقاليم غرب أفريقيا الفرنسية للأراضي السودانية سنوياً في طريقهم إلى البحر الأحمر. غير أن الحكومة البريطانية توقعت أنه سيقوم بإرسال تقارير إلى حكومته. وفي سبتمبر 1952 عُين جوزيف سويني كضابط اتصال للولايات المتحدة. ويبدو أنه لم يترك إنطباعاً حسناً لدى الدوائر البريطانية في السودان لأنه كان يبالغ في تصوير الأوضاع في السودان في التقارير التي كان يبعث بها إلى وزارة خارجية بلاده. وقد ذُكر عنه في الوثائق البريطانية أنه كان يتبنى موقف القوى المعادية للاستعمار في كل مسألة، وأنه كان يؤدي دور شاهد اتهام للإدارة البريطانية.




* لم يرد في اتفاقية عام 1899 أي ذكر لمصطلح «الحكم الثنائي» أو تعبير «السيادة المشتركة». فلا غرابة إذن في أن الوضع القانوني للسودان قد ظل مصدراً دائماً للنزاع بين الحكومات البريطانية والمصرية المتعاقبة.

* تأسس الادعاء البريطاني بالسيادة على حق الفتح ثم اقترن بحقوق الخديوي التي بُعثت من جديد ليقيما معاً سيادة مشتركة على السودان. وقد تبدى ذلك في المادة الثانية من الاتفاقية التي نصت على استخدام العلمين البريطاني والمصري معاً في البر وفي البحر بجميع أنحاء السودان. وقد أشار مالكوم مكلريث إلى أن وجود العلم كان بامتياز دلالة السيادة ورمزها. واعتبر رفع العلم البريطاني في السودان انتقاصاً من حقوق سيادة مصر هناك. وأما الحكومة المصرية وبتأييد من فقهائها فقد جادلت بأن اتفاقية عام 1899 لم تتعرض لمسألة السيادة بأي نحو وأن بريطانيا شريك في إدارة السودان ولكن ليس في السيادة عليه التي لا تزال مسندة لمصر وحدها.

* أُثير الوضع القانوني للسودان بمقتضى إتفاقية عام 1899 أمام محكمة القاهرة الابتدائية المختلطة في عام 1910. ففي قضية بنسيني وكويستاس ضد الحكومتين المصرية والسودانية قضت المحكمة بأنه وفقاً لقانون الأمم، فإن بريطانيا قد اكتسبت حقاً في السودان بالفتح، لذلك فإن السودان قد عاد لمصر مثقلاً بحقوق الفتح التي ترتبت للدولة الفاتحة أي بريطانيا.

* إن تركيز المحكمة على حقيقة أن اتفاقية عام 1899 قد أنشأت كياناً متميزاً ومنفصلاً عن دولتي الحكم الثنائي، ينبغي ألا يفهم على أنه يعني أن المحكمة قد اعتبرت السودان دولة ذات سيادة. لكن يبدو أن هذا هو التفسير الذي أسبغه الدكتور عبدالله العريان على حكم المحكمة حين قال إن المحكمة قد ناقضت نفسها عندما قررت أن دولة جديدة قد قامت في السودان، وفي ذات الوقت اعتبرته خاضعاً لسيادة مصر وبريطانيا.

* وقد رفضت وزارة الخارجية البريطانية وجهة النظر التي تعتقد أن السودان لديه وجود سيادي منفصل لأن سيادته غير مشمولة في سيادة أي من طرفي الحكم الثنائي. كما أوضحت الوزارة أن الاشتراك في السيادة على إقليم ما لا يعني بالضرورة أن ذلك الإقليم ذاته هو إقليم ذو سيادة على أي نحو. فهو كيان منفصل بذاته لا بمعنى أنه ذو سيادة.

* ورد في الفقرة 1 من المادة الحادية عشرة من معاهدة سنة 1936 بين مصر وبريطانيا ما نصه: «مع الاحتفاظ بحرية عقد اتفاقات جديدة في المستقبل لتعديل اتفاقيتي 19 يناير 1899 و10 يوليو 1899، قد اتفق الطرفان المتعاقدان على أن إدارة السودان تستمر مستمدة مباشرة من الاتفاقيتين المذكورتين ويواصل الحاكم العام، بالنيابة عن كلا الطرفين المتعاقدين، مباشرة السلطات المخولة له بمقتضى هاتين المعاهدتين». اتفاقية يوليو 1899 تتعلق بإلحاق مدينة سواكن بنظام اتفاقية 19 يناير 1899.

* عن اتفاقية 19 يناير 1899 قال محمود فهمي النقراشي رئيس وزراء مصر ووزير خارجيتها أمام مجلس الأمن في أغسطس 1947: «إن وفاق سنة 1899 لم يتعرض لموضوع السيادة ….. كان مجرد اتفاق خالٍ من الشروط الرسمية، وقعه رئيس وزراء مصر وقنصل بريطانيا العام دون تبادل أي وثيقة من وثائق التفويض… ولم تكن أحكامه محل تصديق… وإن كانوا يطلقون عليه أحياناً وصف المعاهدة يكفي عنوانه وحده في توكيد صفته غير الرسمية، ذلك أنه وصف عند إبرامه بأنه يتعلق بالإدارة المستقبله للسودان».

* في اكتوبر 1951 إبان رئاسة مصطفى النحاس للوزراء صدرت ثلاثة قوانين ملكية:
– قانون بإنهاء العمل بأحكام معاهدة 26 أغسطس 1936 وبأحكام اتفاقيتي 19 يناير 1899 و 10 يوليو 1899.

– قانون يقضي بأن تجرى أحكام الدستور على كل المملكة المصرية، ومع أن مصر والسودان بلد واحد، يقرر نظام الحكم في السودان بقانون خاص. وبأن «الملك يلقب بملك مصر والسودان»

قانون لوضع نظام حكم خاص للسودان.

* عند مخاطبته مجلسي البرلمان بهذه المناسبة قال مصطفى النحاس عن اتفاقيتي 1899 أنهما عقدتا في وقت لم تكن مصر تملك فيه أهلية عقد معاهدات سياسية، وأن الإكراه والإملاء كانا واضحين فيهما، وهما خاصتان بإدارة السودان، ولم ينصا على أجل لانتهاء الوضع الذي فرضتاه فهو وضع مؤقت.

* في السودان أعلن الحاكم العام بالإنابة في 9 اكتوبر 1951 أن معاهدة سنة 1936 واتفاقيتي سنة 1899 لا يمكن إلغاؤها من جانب واحد وستظل نافذة. وفي 14 اكتوبر 1951 أبلغ الحاكم العام المجلس التنفيذي بأنه كممثل لدولتي الحكم الثنائي لا يمكنه الاعتراف بإلغاء اتفاقية الحكم الثنائي لعام 1899 من قبل إحداهم دون موافقة الأخرى. وأكد أن واجبه يحتم عليه الاستمرار في إدارة السودان طبقاً لاتفاقية الحكم الثنائي. وفي 15 نوفمبر 1951 أعلن وزير الخارجية الجديد أنتوني إيدن أن الحكومة البريطانية تعتبر الحاكم العام وحكومة السودان مسؤولين عن الاستمرار في إدارة السودان.