X

عبداللطيف البوني يكتب: 19يوليو

(1)
إن نسيت كل الأيام فلن أنسى يوم 19 يوليو 1971 ففي عصر هذا اليوم سمعنا صوتا لا يغبانا وهو صوت جدنا المؤذن/ حسن ود الفكي موسى وقد كان قادما من الخرطوم وهو ينادي على حبوبتنا سكينة بت البشير (يا سكينة أمرقي الرادي والعنقريب بره , الخرطوم فيها انقلاب). لقد كان جدنا وحبوبتنا ثنائيا رائعا حلو المعشر، وجدنا حسن كان ذا طرفة وعلاقات عابرة للأجيال رحمهما الله رحمة واسعة . بالمناسبة أكتب هذا المقال وأنا قادم من زواج حفيديهما هاشم والمندوب أبناء المرحوم الزين حسن وهكذا تستمر الحياة . بالطبع لم نصدق ولم نكذب جدنا حسن فالانقلابات دوما تكون ليلا ويصبح الناس عليها ولكن تقديرات هاشم العطا ورهطه جعلت انقلابهم عصرا ، فانقلاب 19 يوليو 1971 كان انقلابا شيوعيا كامل الدسم خطط له جناح مدني (عبد الخالق) مع الجناح العسكري وهو كما أعلن عن نفسه انقلاب تصحيحي لانقلاب 25 مايو 1969 الذي اشترك فيه الحزب وأسهم إسهاما مقدرا في تثبيت أركان ذلك النظام ثم اختلف معه وخرج عليه و(حدث ما حدس).
(2 )
انقلاب مايو وانقلاب يوليو كانا انقلابي غبينة وإن شئت قل ردة فعل، فالحزب الشيوعي يرى انه صاحب القدح المعلى في ثورة أكتوبر الشعبية 1964 ولكنها سرقت منه لا بل تم حله في نوفمبر 1965 فكانت ثورة مايو والتي رأى انها قد سرقت منه هي الأخرى فكان يوليو 1971 . كما هو معلوم فشل الانقلاب لعوامل تنظيمية لوجستية ومحلية ودولية وهذه الأخيرة كان لها الدور الأكبر (القذافي والسادات وآخرون ) وكانت نتيجة الفشل كارثية على الحزب إذ أعدم قادته المدنيين والعسكريين وشردت وطوردت ولوحقت وسجنت قواعده، ولكن بما ان الأفكار لا تموت والتنظيمات (المكربة) لن تنحل بسهولة فقد عاد الحزب وهو يرفرف بجناحين بعد ثورة أبريل 1985 التي له فيها سهما كبيرا وأنشد شاعره محجوب شريف الليلة عدنا نحن القالوا متنا أو شيء بهذا المعنى . رغم أن الحزب الشيوعي له دور بارز في مجريات الفترة (1985 -1989 ) إلا هذه المرة لم يكن شبه منفرد كما حدث بعد ثورة أكتوبر فقد كان لغريمه تنظيم الإسلاميين دور أكبر أغراهم بالسطو على السلطة في يونيو 1989. ومثلما كانت عين مايو 1969 على الإخوان ولم تكن على الحاكمين، كانت عين يونيو 1989 على الشيوعيين ولم تكن على الحاكمين يومها.وهكذا اصبح الصراع الشيوعي /الاخواني من ثوابت السياسة السودانية
(3 )
التاريخ لا يعيد نفسه الخالق الناطق ولكنه يغير ثيابه لزوم المكر, ظهر الحزب الشيوعي في ثورة ديسمبر 2019 ظهورا كبيرا إذ كان الحزب الوحيد الذي ظاهر باسمه علنا ثم من داخل قوى الحرية والتغيير كأحد مكونات قوى الإجماع الوطني، لعب الحزب دورا بارزا في تشكيل يوميات الفترة الانتقالية الحالية لما له من خبرات تراكمية تنظيمية إذ كانت حكومة حمدوك قبل التغيير الوزاري الحالي أشبه من حيث الشكل بحكومة جبهة الهيئات التي ترأسها سرالختم الخليفة بعد ثورة أكتوبر، ولكن الحزب أكثر من التبرؤ من حكومة حمدوك كي لا يحدث له ما حدث عند تغيير حكومة سرالختم في 1965 لتصبح حزبية صارخة . وان كان الحزب الشيوعي قد أيد مايو ثم عارضها فحدث ما حدث في 19 يوليو 1971 فانه الآن يحاول الفصل بين الثورة والحكومة الانتقالية تحسبا ليوليو 2020 مدنية . فليت الحزب الشيوعي سعى لتخفيف حمولات الفترة الانتقالية وعمل مع الآخرين لوضع قانون انتخابات مختلف يمكنه وبقية أحزاب الطليعة من لعب دور مستدام في بناء السودان، فالحياة مستمرة كما ورد في قصة جدنا حسن فالاستراتيجي ابقى من التكتيكي.

 

 

 

 

 

 

صحيفة السوداني

%%footer%%