X

عقلية تجارية

أيمن مزمل

أخذ يحدثني عن أهمية الاستثمار المالي وأهمية الانتقال من الوظيفة ذات المرتب الثابت، وعبودية القرن الواحد والعشرين – بحسب تعبيره – الى الفهم التجاري. ثم إنه بدأ يستعرض عددا من المشاريع والأفكار الاستثمارية. لابد أن صديقي هذا سوف يبلغ غاياته إن طبق أفكاره على أرض الواقع. التقطتُ الفكرة بحماس وأخذتُ أُضيف عليها بعضاً من حصائل خِبراتي الحياتية فاكتملت الفكرة بدراً تقول هيت لك، قبل أن يقول (كل ذلك جميل جداً عدا مشكلة واحدة صغيرة تحول دون قيام المشروع!!). حينما تساءلتُ عن ماهية تلك المشكلة، أضاف (رأس المال!!!).
بعيدا عن صديقي (المعتوه) إياه، فأننا جموع السودانيين يجب أن نعترف بأننا ضعفاء في التجارة والتسويق. نفضل الوظيفة ذات الدخل الشهري الثابت وإن قلّ. حتى اذا أُتيحت لنا فرصة عمل تجاري نحاول تقليل المخاطرة قدر المستطاع والذي بدوره يقلل من الأرباح المتوقعة بحسب القاعدة الاستثمارية والتي تقول (مخاطرة استثمارية عالية معناها أرباح عالية). هل لاحظت معي كيف يُعاملك صاحب البضاعة في المحل التجاري في السودان؟ انه يُشعرك على الدوام بأنه مترفع عما في جيبك. هو يمتهن هذه المهنة من باب (التسلية)، لعله لم يجد ما يفعله في المنزل فقرر التوجه للسوق. إذا سألت عن إحدى البضائع المعروضة، فإنه ينظر اليك من أعلى رأسك حتى أخمص قدميك محاولا تقييم وضعك المالي ووجهه المكفهر يوحي بالسؤال (هل سوف تبتاع من عندي أم أنك تنوي إجهادي وحسب). ثم أنه يقدم على شيء غريب قل ما تجده خارج السودان. هو يلقي عليك بالسعر قبل أن يقوم من مقامه وقبل أن تتفحص بضاعته لعل وعسى أن تغير رأيك بذلك السعر المرتفع فيكون قد كفى نفسه شر القتال..!!! بمقارنة ذلك التاجر مع صاحب (سلسلة مطاعم من بلاد الشام) يرحب بك وكأنك شخص عزيز لديه قد فقده منذ مدة. أنه يخصك بحديثه حتى تظن أنه صديق طفولة قبل أن يصرخ في معلم (الشاورما) والذي لا يجيد الاعتناء بطلبك كما يجب. ثم أنه يقدم على شيء غريب..!!!….انه يذهب بنفسه الى مكان إعداد الطلب ويعمل على تحضيره بنفسه…!!! ليجعلك تتساءل في أي كلية جامعية قد درس فنون التسويق؟؟
من الجانب الآخر فإن التجارة لا تعرف المجاملة. ولأننا مجتمع مجامل (بطبعه) فإن الكثيرين يضيعون رؤوس أموالهم لمجاملة قريب أو خوفاً من المجتمع. أفتتح أحد مِنْ مَنْ أعرف بقالة تعمل في مجال توزيع البيض والدجاج اللاحم. طلب (عمهُ) أن يلحق ابنه – الفاشل العاطل- والذي يقضي ليله سهران ونهاره نائماً لعله يتعلم أمراً جِدياً في حياته (على رؤوس اليتامى). وقد كان، لعلها ستة أشهر او أقل حتى أقفل المحل أبوابه بفضل عبقرية الفاشل إياه حيث وثِقْ فيه صاحب الاستثمار وجعله وصياً عليه باعتبار صلة الدم. فقد كان يتأخر في الحضور للمحل، لا يدقق في الحسابات، يهب البضاعة لمن يحلو له من الأصدقاء والمعارف، عطاء من لايملك لمن لايستحق. حتى اذا ما أقفل المحل أبوابه عاد الى بلدته ساخطاً على سوء معاملة (ابن عمه) ليكمل دورة حياته في الـ (ولا حاجة) حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.
كذلك تستحضرني قصة صاحبة (فساتين الزفاف) والتي أصبح جُل زبائنها وصايا من (ابنة عم خالة جيران والدتها) والتي ترغب في الانتفاع بفساتين الزفاف دون أن تدفع مليماً واحداً باعتبار تلك القرابة…!!
أعتقد أننا أفنديات ابناء أفنديات. تربينا براتب الوظيفة. وما زلنا نربي ابناءنا به حتى نلقى الله.

%%footer%%