X

من سلح القبائل .. شهادتي للتأريخ

عبدالرسول النور إسماعيل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الوالي الكريم والصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه مع التسليم..
الجدل العقيم يولد البغضاء والكراهية. ويلقح كشافا فيتئم.3
(ولا يجرمنكم شنان قوم على ألا تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى)صدق الله العظيم..
استعجلني كثيرون من القراء الكرام أن أجيب على السؤال الملح.. من سلح القبائل؟ ولم يستطيعوا صبرا على ما لم يحيطوا به خبرا! والقبائل المعنية هي بالطبع القبائل البدوية المحاددة لمناطق النزاع او تعيش داخلها..منها قبائل المسيرية والرزيقات والحوازمة وأولاد حميد وكنانة والكواهلة وآخرون.. فالقبائل الأخرى وهي غير العربية فقد سلحتها الحركة الشعبية طوعا او كرها الشيء الذي أخل بتوازن القوة الذي كان سائدا منذ قرون بين القبائل.. التي كان اعتمادها على السلاح الأبيض والعصي..
كان السلاح الناري ممنوعا منعا باتا يجرم اقتناؤه وحمله ناهيك عن استخدامه.. إلا لمنسوبي الخدمة العسكرية وشبه العسكرية كخفراء الإدارة الأهلية.. وتم استثناء النوبة إذ سمح لهم بحمل (المرمطون) وهو سلاح ناري بدائي.. فقد كان النوبة هم المكون الوحيد في كردفان الكبرى الذي يحمل سلاحا ناريا.. ولم تشهد المنطقة اي صراع جمعي استخدم فيه النوبة ذاك السلاح.. إذ كانت هيبة الدولة وسطوتها معلومة لدى الجميع..
ولم تكن القبائل البدوية بحاجة إلى السلاح الناري.. فكانوا يصطادون الزراف والجاموس وكل الصيد حتى الفيل يصطادونه بالحراب إبرازا للشجاعة وطمعا في العاج واللحم.. وكان القليل منهم من يمتلك بندقية خرطوش صناعة الحدادين (دق ابظرطة) ..يجتهد في إخفائها عن أعين المسؤولين او عيونهم.. وبعد قيام البرلمانات تحصل بعض النواب والزعماء على تصديق بحمل بنادق الخرطوش وبنادق الصيد وفق إجراءات صارمة مع محدودية الذخيرة وفق التصديق الممنوح.. هكذا كان الحال حتى بدأت حركة أنانيا (2) نقل نشاط عملياتها شمالا بعد ثورة أكتوبر 1964م التي أسندت وزارة الداخلية التي تهمين على كل القوى الأمنية.. الشرطة والامن العام للسيد كلمنت أمبورو رئيس جبهة الجنوب التي كانت تتعاطف مع حملة السلاح المطالبين بانفصال الجنوب.. وكان من أهم تلك المحاولات.. الهجوم الشامل من قبل قوات الحركة على طول (الرقبة الزرقة) شمال مدينة أبيي الحالية.. فقتل كثيرون من البدو المسيرية بالرصاص قبيل الفجر وهم نائمون.. في ما عرف بالمنطقة (بالدوسة العمومية).. إذ وجد البدو أنفسهم يقاتلون بالحراب عدوا لا يرونه بالعين وإنما يسمعون دوي الرصاص ويرون إخوانهم يتساقطون كورق الشجر في يوم عاصف.. ومن هنا أيقنوا أهمية الحصول على ذاك السلاح السحري الحاسم.. ان ما حدث في(الرقبة الزرقة) وما ترتب عليه من ردود فعل عنيفة خاصة ما حدث في بابنوسة والمجلد.. مما أحدث شرخا في النسيج الاجتماعي في مناطق التعايش السلمي والتمازج فأضحت مناطق للتماس والاشتعال.. منذ تلك الأحداث ومع ضعف الحكومات المتعاقبة بما فيها حكومات فترات الديمقراطية القصيرة وعجزها عن حماية البدو وممتلكاتهم.. جد البدو في البحث عن السلاح.. فباعوا كثيرا من الأبقار والأغنام للحصول على السلاح بالرغم من حذرهم من ملاحقة السلطات الأمنية لهم.. كانت الحربان التشادية التشادية في الغرب والاريترية الإثيوبية في الشرق.. ساحة للحصول على السلاح.. وكذلك بعض سلاح الجيش عبر هروب بعض المجندين بأسلحتهم او الشراء عبر بوابات الفساد المختلفة.. من الجيش والقوات النظامية فازدهرت تجارة السلاح وأصبحت المنطقة قبلة لمن يريد ان يبيع أو يشتري سلاحا.. فبالاضافة الى ما يغنم من سلاح من رد هجوم المسلحين او الهجوم عليهم.. فكان حمل السلاح فرض عين على كل قادر على حمله.. وكان حملة الحراب من غير الفرسان.. يطلق عليه استهزاء (ام باغة) لا جنسية لا بطاقة.. (الميت شهيد والحي مستفيد..) أي انه سوف يحصل على سلاح يرفع به شأنه.. وبهذا انتشر السلاح بين القبائل المجاورة كافة.. بالرغم من الحذر من حمله علانية أو الظهور به في الأماكن العامة.. وقد حوكم كثيرون بالسجن والغرامة ومصادرة السلاح المعني.. عبر التبليغ او المداهمة..وقد زاد الطلب على السلاح بعد قرار الحركة الشعبية نقل الحرب الى جنوب كردفان وإسناد المهمة كما تقدم إلى قوات النوبة والانقسنا ودينكا نقوك فحدثت مجازر الأزرق وبحيرتي كيلك والأبيض وقردود أم رضمي وود دكونة والكويك وغيرها.. وتصدت القوات المسلحة والشرطة والقوات النظامية والمتطوعون من أبناء المناطق المتأثرة.. من جديد شرقا ومرورا بكالوقي..( بت الكلب بقارة وبت الكلب كواهلة) وقد سميت هكذا لوعورة مسالكها.. والليري وتلودي وأم دورين وريفي البرام مما أجبر قوات يوسف كوة للانسحاب جنوبا.. وبقاء مجموعات استعصمت بقمم جبال اشرون ومناطق جنوب البرام وطروجي تسند ظهرها الى قوات الجيش الشعبي في ولاية الوحدة المجاورة.. (عاصمتها بانتيو)..
استلمت رسميا مهام حاكم كردفان الكبرى في يوم 10 أغسطس 1988م.. أقف عند هذا التاريخ لأن نقل الحرب الى جنوب كردفان تم في فترة الحكومة الانتقالية عام 1985م..
كانت الأحوال الأمنية في قد شهدت هدوءا وتحسنا ملحوظا.. فقد تعالت الأصوات المنادية بحل القضية السودانية برمتها عبر التفاوض وليس السلاح.. فقابل رئيس الوزراء وقتها السيد الصادق المهدي د. جون قرنق قائد الجيش لساعات بصفته رئيس حزب الأمة بناء على إصرار د. قرنق بان يقابله بصفته الشخصية والحزبية لا الرسمية.. أملا في إحداث اختراق لمصلحة السلام.. ونشط آخرون في المسعى نفسه.. لقاءات كوكا دام ومساعي د. تيسير محمد أحمد وندوة امبو.. ولقاء الميرغني قرنق.. ولكن التدافع بين حزبنة السلام.. وحزبنة الإسلام.. ومحاولات اليسار احتواء الحركة واعتبارها كرت ضغط لصالحهم أبطأت بالجهود الساعية لتحقيق حل تفاوضي يقود الى الوحدة الطوعية المنشودة والسلام الشامل المستدام في وطن حر ديمقراطي يسع الجميع..
في أواخر مارس 1989م.. وكنت لحظتها في زيارة لمنطقة.. (الزريقة القيزان) بشمال كردفان علمت ان حملة عسكرية كبيرة بقيادة القائد عبدالعزيز آدم الحلو قد زحفت من جنوب بحيرة الأبيض عبر جبال (الكُتّن) لاحتلال كادقلي.. وكان هذا يمثل تحولا في الحرب.. عدت على جناح السرعة الى الأبيض وعقدنا اجتماعا عاجلا للجنة أمن الإقليم.. واعضاؤها الى جانب الحاكم قائد الفرقة الثانية اللواء الركن تاج السر عثمان عبدالله الشهير بالسر عسكرية لانضباطه الشديد ومقررها قائد شرطة الإقليم اللواء شرطة الصادق مجذوب طلحة.. بالإضافة الى رئيس جهاز أمن الإقليم والسجون والنائب العام الإقليمي.. كان قائد الفرقة ينتظر تعليمات من القيادة العامة.. إذ أن قانون الحكم الإقليمي لا يعطي حكام الأقاليم صلاحيات في التعامل مع القوات المسلحة إلا عبر قائد الفرقة.. فالحاكم. هو قائد قوات الشرطة وقوات السجون وحرس الصيد و المطافئ وكانت كلها ما عدا الشرطة قوات قليلة العدد ضعيفة التدريب و التسليح.. وصلت إلى كادقلي مسرح العمليات المحتمل في نفس اليوم.. وكان القلق سيد الموقف اذ كان دوي المدافع ولعلعة الرصاص تسمع بوضوح مع توافد مجموعات كبيرة من المواطنين الى كادقلي من مناطق الصراع طلبا للنجاة وهم ينقلون صورا مرعوبة من أرض المعركة فتزيد الناس هلعا على هلع.. ثم جيئ بالجرحى والقتلى فساد الهرج والمرج مستشفى كادقلي وما حولها.. كانت الروح المعنوية متدنية.. كان لزاما على العمل العاجل لإعادة الطمأنينة الى نفوس الناس.. عقدنا اجتماعا عاجلا مشتركا في قيادة اللواء بكادقلي بين لجنة أمن مديرية جنوب كردفان وقائد وبعض ضباط اللواء.. كان محافظ المديرية وقتها إداريا حازما ومميزا يتمتع بالثبات ورباطة الجأش والرأي السديد هو الأستاذ علي جماع عبدالله وقائد اللواء العقيد الركن حامد ابراهيم.. وحضر اللقاء العميد الركن عاصم يحيى عمران والذي كان في مهمة عسكرية خاصة كما حضره الحبيب صلاح جلال والذي كان يلازمني في تلك اللحظات الحاسمة وهو أديب كاتب يمكن ان يكتب عن تلك الأيام.. كان الاجتماع هاما ومصيريا.. إذ وقفنا بعد دراسة مستفيضة وتقييم دقيق للموقف على خيارين لا ثالث لهما وهما.. إخلاء المدينة بالانسحاب منها كما يطالب راديو الحركة وذلك لاستحالة الدفاع عنها ضد الهجوم الكاسح مع ضعف القوة المدافعة عددا وعتادا.. والخيار الثاني هو الاستماتة في الدفاع عنها والكائن يكون..
كان موقفا صعبا.. وخيارا أكثر صعوبة وبعد التشاور مع المحافظ وقائد اللواء والقادة العسكريين و السياسيين من أحزاب الائتلاف الحاكم.. قررت وأنا أعلم خطورة القرار وعقباته وعواقبه.. واضعا أمام ناظري موقف الخليفة عبدالله في ام دبيكرات في أواخر عام 1899م ومن قبله موقف المقدوم مسلم آخر سلاطين مملكة المسبعات في بارا عام 1822م إذ فرش كلاهما فروته وفضل الموت على الفرار او الأسر فعلى سنتهما نمضي وفي أذني ترن كلمات والدي عليه الرحمة.. وهو يقول لي.. ( الموت يومه واحد ما تجيني بالني) والأمر كله لله من قبل ومن بعد.. فإذن القرار كان الدفاع عن المدينة حتى النصر أو الموت.. كان أخي المحافظ علي جماع عبدالله يوافقني الرأي ويشجعني على المضي قدما.
استخرت الله وتوكلت عليه.. وأعلنت فجر اليوم التالي النفير العام.. ودعوت عبر مكبرات الصوت.. كل من له خبرة او معرفة باستخدام السلاح الناري ان يقدم نفسه متطوعا للدفاع عن المدينة.. كان النداء عاما وعلنيا للناس كافة وتمت اذاعته عبر إذاعة إقليم كردفان من كادقلي التي حولناها الى عاصمة مؤقتة للإقليم.. كان رد الفعل كبيرا ومدهشا إذ زحف المواطنون رجالا ونساء نحو القيادة في كادقلي.. والتي أوكلنا لها أمر تنظيم المتطوعين ليكونوا سندا للقوات المسلحة تحت إمرتها اداريا وقتاليا وتدريبا وتسليحا.. بإشرافها على ان تنتهي مهمة النفير العام والتطوع بانتهاء المهمة.. كل هذا معجم مسطور في وثائق الدولة ومستنداتها الرسمية .. وقدمت نفسي كأحد المتطوعين باعتباري أحد بقايا (كتلة) 2 يوليو 1976م.. وان لم أحمل سلاحا..
قررت قيادة الفرقة الثانية في الأبيض تحويل مسار كتيبة البركان التي كانت معدة لتحرير بعض الجيوب في جنوب ريفي البرام الى مواجهة القوات الغازية على تخوم مدينة كادقلي من الجنوب بينما سارت قوات كادقلي ومعها آلاف المتطوعين من الشمال فوقعت القوات المهاجمة في كمين محكم وهم غافلون.. اذ كانوا يتفاوضون معي عبر التلغراف وإذاعة الحركة الشعبية على شروط الاستسلام وإخلاء المدينة حتى أتاهم أمر الله وهم نائمون.. حيث كانت الواقعة الفيصل الفاصلة في فيض الجراد بالقرب من الحمرة والإحيمر جنوب كادقلي.. كانت قوات البركان البطلة بقيادة الثنائي الخطير.. بقيادة العقيد الركن حمد عبد الكريم والذي استشهد لاحقا بلغم انفجر في مركبته عليه الرحمة ورئيس هيئة أركان حربه المقدم وقتها.. الفريق حاليا احمد خميس بخيت.. الوالي السابق لولايتي غرب كردفان والنيل الأبيض.. وكلاهما من أبناء النوبة.. لقد كانت هزيمة القوات الغازية ساحقة ماحقة وأوجز السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء في رسالة لي وصفها بأنها جرعة حلوة بعد شراب مر.. كانت تلك المعركة بداية لتنظيم المتطوعين لإسناد ظهر الجيش.. فهم قوات النفير العام او الدفاع الشعبي أيا كان المسمى.. فيما بعد وكان أشهر القادة وقتها.. أحمد العقيد وعبد الله العفين وأحمد الكلس ومحمود شميلة علي الجلة.. ومتطوعو منطقة الحمرة التي وقعت بالقرب منها معركة فيض الجراد.. وغيرهم من الرجال الذين صدقوا العهد أوفوا بالعهد لم يريدوا جزاء ولا شكورا.. ونساء كادقلي الماجدات اللاتي أقمن التايات لصنع الطعام وتقديم الأكل والشرب أمام خيام المتطوعين بلا من او أذى وهن يرددن الأهازيج والزغاريد.. دون مقابل مادي جهدا في سبيل الله والوطن.. لقد أكرمني الله ان أخرج من كادقلي سالماً وهي آمنة من خوف وقد ألبسها الله ثوب العافية.. وكنت أرجح وفق المعطيات التي كانت أمامي ان أقيم فيها ما أقام كلمو وتافيرا او حجر المك.. ولكن الله غالب.. فان كان يتهمني البعض شخصيا بتسليح القبائل في هذه الواقعة فربما اختلط عليه الأمر فدمغني من هول الهزيمة الساحقة المفاجئة بما أنا بريء منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب بأني وراء تسليح القبائل!!
وكنت من المنادين بإجازة قانون الدفاع الشعبي كقوات نفرة واحتياط من كل القبائل لمساعدة القوات المسلحة نسبة لاتساع مسرح العمليات وتنوعه..
وقد أجبت على الاتهامات الجزافية في ندوة في القاهرة أقامتها منظمة حقوق السودانية بالقاهرة تحت عنوان.. جبال النوبة بين التطهير العرقي وآفاق السلام.. شهدت حضورا كبيرا ونقاشا واسعا وقد دونت تلك المحاضرة في كتاب صدر عام 2001م تحت نفس عنوان الندوة وقد نفدت طبعته بسرعة.. كانت كلها اتهامات سياسية ليست إلا كما قال صديقي الراحل القائد يوسف كوة مكي في كمبالا عقب مؤتمر مستقبل مناطق التماس أثناء الفترة الانتقالية 1998م.. وهو ما سنعود له إن شاء الله قريباً..

%%footer%%