X

تهريب السلع الاستراتيجية.. جرائم على حدود (نعش) الاقتصاد

مسؤول بالجمارك: والٍ سابق شجع التهريب بافتتاحه طلمبات على الحدود
خبير اقتصادي: الدولة إذا حررت أسعار السلع يمكنها الحد من جرائم التهريب
مصدر: عمليات تهريب غريبة ومزدوجة بالبحر الأحمر وضبط (٢) ألف رأس من الأبل
د. الجاك: إفلات التجار من الرقابة سبب في زيادة أسعار السلع

 

ثمة أسباب كثيرة ومتعددة للتهريب في مقدمتها الكسب المادي السريع وممارسته بالوراثة والتفاخر بين أبناء بعض القبائل الذين اتخذوه مهنة، كما أن قرب مواقع الإنتاج من حدود الدولة المجاورة من المحفزات البارزة لارتكاب الجريمة، فضلاً عن احتقار السلطات وتحديها من قبل المهربين، جميعها أسباب جعلت التهريب ممارساً في الواقع بالسودان، في الوقت الذي يواجه فيه المواطن طوفان ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والاستراتيجية، وتكشف المضابط الرسمية عن وقائع لتهريب سلع مدعومة إلى دول الجوار، لتسهم بذلك في تزايد ظاهرة ارتفاع السلع والتي تفاقمت أضعافاً بعد ظهور جائحة (كورونا ) وفقاً لتأكيدات مراقبين وخبراء اقتصاد.

(الصيحة) تتبعت وقائع عمليات التهريب وتأثيراتها على معاش الناس في هذا التوقيت وما يقابلها من آليات للمكافحة تستخدمها الجهات المختصة، خاصة وأن حركة تهريب السلع بين الدول بدون ضوابط ومعروف عالمياً بأنه من محفزات الإرهاب الدولي بدخول أسلحة إلى جانب السلع الاستهلاكية.

تعزيزات للمكافحة
للتهريب أنواع متعددة، ولكن بحسب طبيعة السودان وأراضيه الشاسعة والذي تحده عدة دول ذات قبائل حدودية مشتركة، ولا توجد أي فواصل بينها سواء كانت طبيعية أو صناعية، وتؤكد معلومات رسمية جمعتها (الصيحة) على أن التهريب عبر الحدود الأكثر شيوعاً، وأن بوابة البحر الاحمر يقدر طولها بحوالي (700) كيلو متر، فضلاً عن أن التهريب عبر الحدود يعتبر من أخطر الأنواع لكونه يسبب أضراراً بأمن البلاد والمواطن، جراء قلة الرقابة الحدودية الكاملة وقرب القرى الحدودية ذات القبائل المشتركة ووعورة الأماكن الحدودية وموروثات التهريب بين بعض القبائل الحدودية.

وتأكيداً على أن جرائم التهريب تزايدت رقعتها خاصة بالتركيز على السلع المدعومة من قبل الدولة وذلك وفقاً للضبطيات المتكررة التي تابعتها الصحيفة، اتجهت الحكومة لتعزيز دورها في مكافحة التهريب وأطلقت مؤخراً شرطة متخصصة لملاحقة مهربي السلع الأساسية والذهب على خلفية تزايد نشاط مجموعات تهريب السلع إلى دول الجوار في وقت تشتد فيه أزمات الوقود مما أدى لارتفاع باهظ في تعرفة المركبات العامة، والخبز كذلك ما زالت صفوف المواطنين تتمدد في كثير من المناطق، وأعلن وزير التجارة والصناعة مدني عباس مدني، خلال تدشين أسطول السيارات ومعدات الاتصال مؤخراً أن الخطة تستهدف محاربة التهريب وإيقاف الجشع والفوضى في الأسواق.

من جانبه أعرب رئيس هيئة الجمارك الفريق شرطة بشير الطاهر بشير عن أمل الشرطة في تغطية العاصمة بالارتكازات والأطواف الجوالة للحيلولة دون تسرب السلع، لافتاً إلى وجود تنسيق بين إدارة التموين مع أطواف مشتركة لمنع تهريب السلع خاصة الدقيق والسكر والسلع الاستراتيجية.

 

بلاغات مفتوحة

أكدت البلاغات التي تحصلت (الصيحة) على تفاصيلها بشأن عمليات التهريب ومعظمها خاصة بالدقيق المدعوم والوقود، وكشفت عن أن المهربين باتوا ينفذون عملياتهم بسلوك طرق وعرة لا تسلكها المركبات، ومؤخراً لقى اثنان من أفراد القوات النظامية مصرعهما في عملية مطاردة لعصابة تهرب الدقيق على الحدود الشرقي ، وأحدثت المطاردة غباراً كثيفاً لم يتمكن السائق من رؤية عمود إنارة اصطدمت به العربة مما أدى إلى أن يلقيا حدفهما وإصابة وجرح بقية افراد القوة التي كانت بالعربة بالأذى والجروح.

 

وتستشهد الصحيفة بعدد من البلاغات تم تقييدها مؤخراً لسلع مهربة، حيث أفشلت السلطات المختصة بولاية كسلا محاولة تهريب مواد بترولية (بنزين) والدقيق المدعوم كانت في طريقها للتهريب إلى خارج البلاد، وبحسب التفاصيل أنه تم ضبط عربة بوكس وشاحنتين بالقطاع الجنوبي للولاية وتحمل المركبات (٢٠) جوال دقيق، و(٣٤٥٦) جالون وقود (بنزين) محملة على ثلاثة بكاسي بالقطاع الشمالي (البحر) في محاولة لتهريب الوقود المدعوم خارج البلاد، وبذات الولاية تم ضبط تانكر وقود مدعوم سعة عشرة آلاف جالون بمحلية غرب كسلا منطقة “دره شاي”، وفي ذات الأثناء وضعت السلطات يدها على (4) شاحنات تحتوي على (1575) جوال ذُرة بمنطقة “مديسيس” جنوبي كسلا و (27) برميل وقود و (100) كرتونة لبن بدرة، وفي الثاني من الشهر الجاري ضَبطت لجان المقاومة بمحلية عسلاية بشرق دارفور عربة دفع رباعي تتبع لجهة نظامية قامت بتعبئة عدد من براميل الوقود، كما وضعت الشرطة الأمنية يدها على تانكر وقود مهرب من عطبرة أثناء تفريغه داخل مصنع بلاستيك بأم درمان، وهو عبارة عن جازولين سعة (26864) لترا، وفي الرابع عشر من يوليو الجاري أعلن المكتب الصحفي للشرطة عن ضبط تانكر وقود سعة 10 آلاف جالون بنزين بحوزة متهمين اثنين شرق مدينة عطبرة.

 

بعدما توفرت معلومات للشرطة الأمنية بولاية نهر النيل فرعية عطبرة عن وجود تانكر وقود يفرغ حمولته بمنطقة نائية شرق مدينة عطبرة ويبيعها بالسوق الأسود وبناء على ذلك تحرك فريق وتمكن من مداهمة الموقع وضبط التانكر أثناء تفريغ الحمولة البالغة (10.000) جالون بنزين وعربة بوكس تايوتا وأخرى بدون لوحات وبها 20 جركانة بنزين سعة 16 جالوناً وضبط بجانب التانكر 59 جركانة أخرى وتوقيف اثنين من المتهمين أحدهما يعمل وسيطاً في بيع الوقود المهرب وبحوزته مبلغ (182.000) جنيه وبالتنسيق مع إدارة مكافحة التهريب بهيئة الجمارك تم اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة.

ظاهرة غريبة
وأماط مصدر مسؤول بهيئة الجمارك لـ(الصيحة) اللثام عن معلومات دقيقة تتم من خلالها عمليات التهريب، كاشفاً عن عمليات تهريب مزدوج يتم عبر الجزء الشمالي الغربي بولاية البحر الأحمر لدولة مجاورة للأبل، واصفاً العمليات بالظاهرة الغريبة ، ورصدت (الصيحة) البلاغات التي سجلت بالمضابط لعمليات تهريب متلاحقة للأبل لدولة عربية مجاورة، إذ أحبطت السلطات بولاية البحر الأحمر (255) رأسا من الإبل وفي مطاردة أخرى (467) رأساً من الإبل، وألقت القبض على ثمانية متهمين اتخذت حيالهم الإجراءات القانونية اللازمة توطئة لتقديهم للعدالة، وفي وقت ليس ببعيد أحبطت الأجهزة بعطبرة تهريب (331) رأساً من الإبل.

 

وأوضح المصدر أنه تم تدوين (٥) بلاغات لإبل مهربة بلغت جملتها حوالي (٢٠٠٠) رأس إبل تستخدم جميع أجزائها في تلك الدولة لأغراض متعددة حتى صناعة الـ (زراير) للملبوسات، لافتاً إلى أنه في عهد النظام البائد كان يتم في ذات الاتجاه تهريب الأسلحة لمصلحة متطرفين في دول أخرى، وأمن على أن هنالك قبائل سودانية تتخذ من التهريب مهنة ويعملون في مجال التهريب المزدوج إذ يهربون سلعا مدعومة إلى دول مجاورة ويستوردون عن طريق التهريب منها الخمور المستوردة والشاشمندي والقات.

وأوضح المصدر المسؤول ـ الذي فضل حجب اسمه ـ أن هنالك عمليات تهريب للخبز من كسلا إلى إريتريا والدقيق والسكر، في الوقت الذي اغلقت فيه السلطات المختصة بولاية كسلا تجارة الحدود مع إريتريا نسبة لعدم وجود سلع يتم تبادلها معها، مؤكداً على أن قانون مكافحة التهريب قانون ضعيف جداً ، واتهم والٍ سابق في ولاية شرقية في عهد النظام البائد بأنه شجع عمليات التهريب بافتتاحه طلمبات وقود في مناطق على الحدود الشرقية، ونبه إلى أنه في منطقة دوكا التهريب يتم باليد بعد أن يعبرالمهرب المجرى المائي (خور) عريض بين الدولتين، وذكر أن برميل الوقود داخل البلاد بـ(٢٥٠٠) جنيه، ويتم بيعه بالخارج بحوالي (٣٠) ألف جنيه في إشارة منه للربحية العالية التي يحققها المهربون، وأشار إلى أن هنالك تهريباً داخلياً عبر الولايات في الخبز والجازولين يندرج تحت جرائم التهريب نسبة إلى أن كل ولاية لديها حصة محددة من السلع الإستراتيجية، مشيراً إلى أن هنالك وقوداً يهرب إلى مناطق الذهب، وتهريب سلع يتم عبر جودة الحدودية لدولة جنوب السودان.

آثار اقتصادية
وأكد الأستاذ بجامعة الخرطوم والخبير الاقتصادي د. محمد الجاك أحمد، على أن التهريب في أي دولة يحرمها من موارد كان يمكن أن تستفيد منها، مبيناً أن عمليات التهريب تتم من منطلق أن المهربين يسعون لإيجاد أرباح متعاظمة وأسعار عالية لسلع موجودة داخل الدولة بأسعار منخفضة نسبياً مقارنة بالأسعار في البلاد المهربة إليها، وقال في إفاداته التفصيلية لـ(الصيحة) حول الآثار المترتبة على تهريب السلع وعلاقته بزيادة الأسعار التي تضرب الأسواق حالياً، قال إن السلع المهربة تباع في الخارج بعملات أجنبية خاصة الدولار الذي لا تستفيد منه الدولة بهذه الوضعية لأنه يعود للسوق الأسود والموازي وتسهم هذه العمليات في ارتفاع سعر الدولار، فيما إذا تحصلت الدولة على العملات يمكنها أن تحل إشكاليات النقص المتزايد في رصيدها من العملات الأجنبية، وأشار إلى أن التهريب دائما يطال سلعاً غذائية تجد في الخارج المنافسة لأنها أقل سعراً، كما أن الطلب عليها كبير ولها سوق متعاظم ودرجة عالية من المنافسة.

 

وقال إن الدولة كانت في أحيان كثيرة مطالبة بتقنين تجارة الحدود لأنها بذلك تقلل من الأضرار المرتبطة بالتهريب، وأضاف: يبدو أن الدولة لم تتمكن من أن تتبناه بصورة ممنهجة، لافتاً إلى أن التهريب خلق فئات وطبقات اعتمدت في نشاطاتها عليه بصورة كاملة من السمسرة والمضاربة، ووضع الخبير الاقتصادي تطوير أدوات الرقابة في مقدمة الأدوات التي من شأنها مكافحة التهريب والحد كثيراً من الآثار السلبية المترتبة عليه، وأكد على أنه إذا حررت الدولة أسعار السلع يمكن أن تحد من عمليات التهريب وفي هذه الحالة لا تختلف كثيراً من أسعارها خارجياً، كما أن ذلك يقلل من عائدات السلع المهربة بالنسبة للضالعين في عمليات التهريب، فيما رهن الجاك اتباع سياسات تحرير السلع بأن تتخذ الدولة تحوطات تشمل الفئات الضعيفة من المجتمع إلى جانب أن تنتهج أدوات فاعلة للرقابة، وأشار إلى أن الإفلات من الرقابة يدعو التجار لزيادة الأسعار، وقلل من حجة التجار بأنهم يشترون الدولار من السوق الأسود، وعزا الزيادات إلى الجشع لأنه حتى لو اشترى التاجر السلع والدولار منخفض متى ما ارتفع يزيد سعر ذات السلعة، وزاد: ارتفاع أسعار السلع ناتج من انسحاب الدولة كلياً من النشاط الاقتصادي، ودعاها إلى ضرورة تفعيل مراكز البيع الخاص بها لمحاربة جشع التجار والزيادة غير المبررة في الأسعار.

نتائج وعقوبات
أفشلت السلطات المختصة كثيرا من عمليات التهريب وقدمت المتورطين في ارتكابها إلى المحاكم، وتابعت (الصيحة) قرارات أصدرتها محكمة الطوارئ ببورتسودان في مواجهة مهربين، أنزلت عليهم المحكمة برئاسة القاضي محيي الدين علي بريمة عقوبة السجن (٦) أشهر والغرامة (٥٠) ألف جنيه على سائق عربة هايس تم ضبطه وكان في طريقة إلى دولة مجاورة وعلى متن العربة عدد قليل من الركاب بينما نزع بقية المقاعد من الهايس ووضع مكانها تناكر مليئة بالوقود المدعوم في طريقه للتهريب، وقضت المحكمة في قرارها بعد إدانة السائق بمصادرة العربة الهايس لصالح حكومة السودان.

ورصدت الصحيفة إنجازات للجان المقاومة بولايات السودان المختلفة للقضاء على عمليات احتكار السلع الأساسية المدعومة ممثلة في الوقود والدقيق والسكر وداهمت عددا من المستودعات العشوائية لتخزين الوقود المدعوم تمهيداً لتهريبه خارج البلاد، وأكدت معلومات تحصلت عليها الصحيفة على أن معظم محاكم الطوارئ بالمدن الحدودية بالبلاد تصدر قرارات فيما لا يقل عن (١٠) بلاغات في الأسبوع متعلقة باحتكار السلع المدعومة بغرض إحداث الندرة وتهريبها إلى خارج البلاد، ومؤخراً اجتمعت لجنة متابعة ومراقبة السلع الاستراتيجية بحضور والي الخرطوم، وناقش الاجتماع المعوقات التي تواجه انسياب السلع الاستراتيجية كالدقيق والوقود والغاز، وأهمية الرقابة في تقليل التسريب والتهريب، وأكدت اللجنة الرقابية أن الحصص التي توزع لولاية الخرطوم من الدقيق كافية، ولكن هنالك تسريب في حصة الولاية.

وتشير (الصيحة) إلى أنها طرقت أبواب جميع الجهات ذات الصلة بمكافحة التهريب للتعرّف على نسبة انتشار هذه الجريمة وما إذا كان التهريب سبباً في ارتفاع أسعار السلع الإستراتيجية وشُحّها وفقاً لحديث مراقبين للأوضاع, كما أنه من المؤكد وفقاً للمتابعات أن هنالك من المهربين من يفلتون من المطاردة نسبة للحدود الشاسعة للبلاد، ولم تتمكن الصحيفة من الحصول على إحصائيات دقيقة حول إنجازات إدارة مكافحة التهريب خلال الستة أشهر الأخيرة بالمضبوطات التي وضعت يدها عليها، وذلك لتمسك مسؤول بإعلام هيئة الجمارك بالإجراءات الروتينية المتمثلة في إذن مكتوب من الناطق الرسمي باسم الشرطة، فيما أن الجهات المعنية بالمكتب الصحفي للشرطة منحت الأذن للصحيفة استجابة للإجراءات الاحترازية التي تتخذها الدولة وإدارة التحرير بالصحيفة حيال المحررين بها وتقليل تنقلهم لمجابهة جائحة (كورونا).

 

 

تحقيق- منال عبد الله

صحيفة الصيحة