X

يوسف السندي: صراع المصالح السياسية وكرت العلمانية

شاهدت فيديو تتحدث فيه الاستاذة اسماء محمود محمد طه من داخل ملتقى جامعة الخرطوم للبناء الوطني والإنتقال الديمقراطي ، وهي ( تحرش ) شباب الثورة على تبني العلمانية ، لم أجد كلمة ادق من مفردة ( تحرش ) هذه لتوصيف طريقة الكلام وأسلوبه، واستغربت صراحة ان يكون ملتقى جامعة الخرطوم بهذه الطريقة الساذجة والسطحية! كان الاوجب ان تتحدث الأستاذة اسماء عن العلمانية كمنهج علمي ترى انه يصلح لحلول المشكلات الراهنة في السودان ، وأن تدعم رؤيتها بالحجة حتى وإن استلفت من منهج والدها المرحوم محمود محمد طه وتذهب، فإن كانت رؤيتها صحيحة ستنمو لوحدها وتنتشر ، لكن ان تمارس( الحجى ) و ( التحاريش ) في منصة ملتقى علمي من أجل دراسة المشاكل ووضع الحلول، فهو بالضبط ما يصور مأساة هذا البلد ومشكلته المزمنة فيمن يتقدمونه كساسة .

لو لم تكن اسماء تعلم فسوف نخبرها الآن بأن شباب الثورة لم يثوروا من أجل العلمانية ، لم يخرجوا من أجل مواجهة المصلين في المساجد ولا من أجل إخراج الدين من الدولة ، بل خرجوا من أجل استعادة الدولة السودانية من حكم الفرد من سطوة الدكتاتور لجعلها سلطة للجميع ودولة للكل .

يبدو أن الأستاذة لم تتخطى بعد حادثة إعدام والدها على يد السفاح نميري، ومازالت ترى في المساجد هياج بعض من دعموا السفاح النميري عند إعدام والدها ، مازالت أسماء في محطة الثمانينيات من القرن الماضي ، بينما شباب الثورة الآن يدخل على العشرية الثالثة من القرن الجديد ، لا يبدو أن الأستاذة تحس بفارق الاوقات ولا بفارق الازمان ولا بفارق الحكومات، كل الأوقات عندها لحظة الإعدام وكل الازمان عندها توقفت في الثمانينات وكل الحكام امام ناظريها نميري ، هي مهووسة بالبحث عن جيل يقتص لها من السفاح نميري وبعض المساجد التي يديرها اهل الهوس التي دعت للقصاص منه ، وهي لعمري لوحة تحتاج لخلاص نفسي وليس ثوري ، فنميري توفي ، والذين أعدمهم بالمئات والذين قتلتهم الإنقاذ بالآلاف، ولكل حكم شمولي ضحايا، ولكن الضحايا لا يطلبون من الأحياء تحنيط الزمان ولا رهن الوطن من أجل القصاص ، بل يطالبون الجميع بالعمل على عزل حكم الفرد وإعادة الحكم للشعب والشعب بيده القرار .

العلمانية ليست الحل ، فالدين ليس اساس أزمة الحكم في السودان ، بل الأطماع السياسية والانانية هي السبب، الأطماع التي تجعل بعض الأحزاب السياسية تنقلب على الحكم الديمقراطي وتمنع استقراره واستمراره من أجل اهداف حزبية ذاتية كما فعل الشيوعي بانقلاب نميري وكما فعلت الجبهة الإسلامية بانقلاب البشير ، والانانية لدى بعض الجماعات السياسية والذاتية في التشفي والخلاص من الأحزاب التي تسبقهم في الجماهير وفي القبول الشعبي وفي العمل السلمي والمبدئية، كما فعل حزب اسماء الحزب الجمهوري حين أيد ودعم وبارك مذابح السفاح نميري ضد الأنصار وحزب الأمة في الجزيرة ابا والتي راح ضحيتها آلاف الشهداء يتقدمهم امام الأنصار الامام الشهيد الهادي المهدي ، تجاوز الأنصار تلك المذابح ،لم يحنطوا التاريخ عندها بل تخطوها إلى الحاضر والمستقبل وعلى الأستاذة اسماء ان أرادت خلاصا ان تفعل المثل .

يمكن أن أفهم دفاع أصحاب ديانات الأقلية في السودان من أجل تطبيق العلمانية ، لو جاء مسيحي وطالب بالعلمانية ربما يكون في الطرح وجاهه ، ولكن ما بال المسلمون انفسهم يستميتون خلف العلمانية بداع حماية الأقلية غير المسلمة ! هذا كذب صراح ، لا اسماء ولا جميع الأحزاب السياسية ذات الأغلبية المسلمة التي تنادي بالعلمانية تنادي بها من منطلقات علمية لتحقيق عدالة انسانية، وإنما تنادي بها من منطلقات سياسية بحتة من اجل زيادة دورها وحظوظها في الحكم عبر تحجيم دور الأحزاب السياسية التاريخية كالامة والاتحادي واحزاب الاسلاميين التي تتوفر على رصيد جماهيري ضخم ناتج من قاعدتها المتدينة وتماهيها وانسجامها مع أعراف وثقافة المجتمع السوداني الغالبة .

قضية الدين والدولة حسمت في مؤتمر التجمع الوطني الديمقراطي للقضايا المصيرية في اسمرا في ١٩٩٨ ، قالتها وثائق الاعلان الدستوري بالبديل الديمقراطي، المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات ، قالها ميدان اعتصام القيادة العامة وهو يشهد امتزاج الديانات مع بعضها البعض في ساحة الاعتصام ، فلماذا يريد البعض القفز على الحقيقة الواقعية التي تشهد بأن الدين ليس هو أزمة الحكم ؟!

لو كانت العلمانية جميعها خير لقضت على العنصرية في أمريكا ولا ما قتل جورج فلويد ولا خرجت الملايين ضد العنصرية في أمريكا العلمانية ، كما ان التاريخ يذكرنا بأن العلمانية الامريكية لم تقضي على التفرقة العنصرية القذرة في أمريكا حتى ستينيات القرن المنصرم بعد أن وقف السود بقيادة مارتن لوثر ومالكوم اكس ضد عنصرية البيض ، وقادوا حركة الحقوق المدنية والتي اغتيلوا بسببها .

العلمانية لم تمنع هتلر من اعتبار ان الألمان هم الجنس الأرقى وان اليهود حثالة وقام بقتلهم وحرقهم احياء ، وخاض احدي أكثر الحروب دموية في تاريخ البشرية قتل فيها ما يفوق العشرون مليون انسان، كما لم تمنع العلمانية ستالين والحزب الشيوعي السوفيتي من التطهير العرقي والإعدامات لملايين الأبرياء ، فهل العلمانية خير ؟ حتى نهرع إليها بسبب وبلا سبب ؟ ولماذا نذهب بعيدا ، ماذا فعلت العلمانية عبر سنوات طويلة لجارتنا من الغرب تشاد؟ هل رفعتها للقمة ام مازالت في قعر العالم المتخلف !! على أسماء ودعاة العلمانية ان ( ينقطونا ) بسكاتهم فعلاقة الدين بالدولة ليست أزمة الحكم التاريخية في بلادنا ولا سببا في التدهور العلمي والاقتصادي، بل الشمولية هي السبب ، ايقاف الانقلابات واستقرار الديمقراطية التي تعني الوصول للحكم عبر الانتخاب فقط مع اعتماد المواطنة أساسا للحقوق والواجبات هو اساس الحل لقضايا الحكم والسياسة، فهل يسمعنا الانقلابيون ومن يدعمهم؟!

يوسف السندي
sondy25@gmail.com

The post يوسف السندي: صراع المصالح السياسية وكرت العلمانية appeared first on باج نيوز.