X

السودان: د. الطيب عبد الجليل يكتب: بيع البصل بما حصل!

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

يوميات ضابط شرطة

د الطيب عبد الجليل حسين

بيع البصل بما حصل!!

  • من فضائل وباء جائحة كورونا علينا نحن السودانيين، أن اكتشفنا أهمية البصل، كقيمة غذائية إضافية هامة في قائمة ضرورات احتياجاتنا الغذائية. وذلك لتربع البصل مكانه مميزة وسط قوائم انواع غذائية، لا يستطيع شراؤها إلا القادرين المستطيعين من الأغنياء الوجهاء، لتميز البصل مكانه وسط التفاح والعنب والكوميثري والأنناس والبرتقال والقريب فروت …الخ.
  • ومقولة بيع البصل بما حصل، لصاحبها المرحوم موسى حسين الصائغ (طرش)، عم الأخ المقدم محمد عبدالله حسين الصائغ (حمدي الصائغ)، فقد كان يرددها أبي له الرحمة والمغفرة، لأنه كان يوجد فضل محبة ومعاملة خاصة بين أبي له الرحمة وعمنا موسى حسين الصائغ، وما زال فضل تلك المحبة قائم بيني والأخوة عماد وبدرالدين موسى حسين الصائغ، وجميع آل الصائغ. لجوار المسكن والإقامة في امبدة شمال البقعة المباركة الجامعة لألوان طيف أهل السودان. كان أبي له الرحمة، سائق تاكسي أجير لصاحب التاكسي. بينما عمنا المرحوم موسى حسين الصائغ، كان تاجر إجمالي من تجار سوق امدرمان، ومتخصص في منتوجات الزيوت والصابون والطحنية وتوابع المأكولات من صلصة وسكر وشعرية ومكرونة وحلويات. ولوالدي بالعربة التاكسي فوائد له يجنيها من مشاوير أجرة خاصة لعمنا المرحوم موسى حسين الصائغ.
    بيع البصل بما حصل، عبارة يرددها سماسرة سوق البصل في امدرمان حي العرب في دكان المرحوم صالح سعد عثمان، لترويج بيع البصل بين التجار والمشترين، فقد كنت والدفعة جمال صالح سعد عثمان بنهاية اليوم المدرسي في مدرسة حي العرب الثانوية العامة، نقضي بعض الوقت في دكان المرحوم صالح سعد، ليتم ترحيلنا المنزل في امبدة بالعربة البوكس لعمنا صالح سعد عثمان ، وقد كنا ننادي مع السماسرة بيع البصل بما حصل، واحياناً يكون لنا نصيب من بيع وشراء وقع وتم من النداء بيع البصل بما حصل.
    تذكرت فجأة مقولة نداء بيع البصل بما حصل، للتعبير عن حال بلد بأكمله هو الآن معروض في فضاءات سوق السياسة السودانية، بالترويج له بعقلية المحاصصات والمخاصصات السياسية بين قوى مكونات الحرية والتغيير ومجموعات قوى الجبهة الثورية المسلحة وكيان الشمال والحكومة الإنتقالية في مسارات تفاوض السلام الجارية في مدينة جوبا – آآآآآه جوبا مالك علي – ولذلك من سوابق تجارب اتفاقيات السلام العديدة خلال العهد البائد، دار في مخيلتي أوراق الترتيبات الأمنية، لإعادة ترتيب قوات الحركات الثورية، بالسعي لهجينها بدمجها في مؤسسات أجهزة القوات النظامية الرسمية الدولتية القائمة، على نحو ما تم في اتفاقية السلام الشامل عام 2005م بين حكومة العهد البائد والحركة الشعبية لتحرير السودان، واتفاقية الشرق في القاهرة. وكانت النتيجة فرض أمر واقع، بتعيين ضباط شرطة اميين، لا يجيدون الحد المعقول في الكتابة والقراءة والتعبير.
    إلا أن وجه الخلاف بين تجربة اتفاقيات السلام الشامل 2005م، وما يجري على أرض الواقع بعد الثورة المجيدة. يلاحظ أن القوى الحديثة الشبابية في معين كيانات قوى الحرية والتغيير، بلا وعي وإدراك، تنبش اظافرها بقوة في جسد أجهزة القوات النظامية، بدعاوى إزالة التمكين، وملاحقة عناصر العهد البائد المتخفين في مفاصل الأجهزة الأمنية، وتنادي بهيكلة القوات النظامية، بتهيئوات وتصورات التخلف عن ركاب المدنية السائد في أوروبا وأمريكا، متناسية تلك القوى، الإرث التاريخي والتراكم المعرفي الهجين للأجهزة الأمنية السودانية، ذات الإرث المستولد من الأثر المعرفي الأوربي والأمريكي المستمر تدريباً وتاهيلاً من عدة أوجه وجوانب، سواء بطرق تبادل المعلومات والتعاون الفني الثنائي والجماعي الإقليمي والدولي، ومن فضاءات مدارس التعليم والتعلم الاسفيري، ومن وحي أعراف وتقاليد وعادات مجتمعنا السوداني المحافظ حتى نهايات تسعينيات القرن الميلادي الماضي. وحقائق المعرفة وقدرات الأجهزة الأمنية، يجهلها ويتعمد جهلها بقصد ودون قصد، مدعي التغيير الثوري من الانتهازيين، وقاصري النظر المعرفي.
    إن التغيير والتبديل السريع المستمر في قيادة الأجهزة الأمنية وضباطها، بإعفاءات وإقالات من الخدمة دون وعي ومعرفة بقدرات وكفاءة منسوبيها من الضباط، يضر بها كثيراً، ويضعف من قدراتها المعرفية التراكمية.
    وبعملية حسابية بسيطة، لتأهيل كفاءات مهنية معرفية عالية، الدولة تحتاج لخدمة ضابط لمدة زمنية لا تقل عن 25 سنة خدمة نوعية مستمرة في أي من أجهزة المؤسسات الأمنية والعسكرية. وهذه المدة الزمنية 25 سنة، هي المدة لتأهيل ضابط في رتبة العقيد. وبافتراض 18 – 22 سنه هي عمر سن الضابط عند الاستيعاب ودخوله التدريب والتأهيل في مواعين التدريب ، يكون عمر وسن الضابط في رتبة العقيد 45 – 50 سنه على الأرجح، وهكذا يتدرج الضابط للرتبة الأعلى. وعندما يُحال الضابط للتقاعد في المعاش في رتبة العقيد على الأقل، تكون مؤسسات الأجهزة الأمنية، قد فقدت وأهدرت كفاءات وقدرات مهنية معرفية، هي رصيد معرفي بشري ومورد هام من موارد الدولة، صرفت عليه الدولة الكثير من خزينتها المالية. وفي المقابل، يكون الضابط قد فقد الكثير من فرص العيش الشريف والحياة الكريمة، وصار عالة وعبء ثقيل على المجتمع وأسرته. وإن كان الضابط يعول أسرة، فمصير الأسرة التشريد والانحلال والضياع.
    إن التفكيك الاواعي والامدروس والاعقلاني لبنية مؤسسات الأجهزة الأمنية، يشكل مهدد امني خطير على أمن الدولة واستمراريتها. والمتصور من هجنة قوى الحركات الثورية بإدماجها في مؤسسات الأجهزة الأمنية الرسمية القائمة، واستمرارية تفكيك الأجهزة الأمنية من سلوك وفعل حواضن القوى الثورية الجديدة في قوى الحرية والتغيير، فإن مآلات ما ينتهي إليه الحال، فرض أمر واقع، لا محالة مؤداه إضعاف قدرات وكفاءة مؤسسات الأجهزة الأمنية القائمة. وبروز قوى مسلحة جديدة وتشكيلات توابع أمنية لها، يلزم تسميتها وانفتاحها في نطاقات مناطقية جغرافية وحمائلية عشائرية، لا عقيدة مهنية وطنيه لها، إلا عقيدة الولاء والطاعة للفرد القائد الزعيم، وتقوم نشأتها البنيوية على فكرة وأساس إنشاء قوات الدعم السريع على نحو ما هو منصوص عليه في الوثيقة الدستورية، وعملياً من هذا الوضع المشوهة لتعدد القوى المسلحة، لنا احتقانات أمنية بالغة التعقيد وقعت نتيجة إتفاقية السلام الشامل، وقبلها إتفاقية السلام في أبوجا نيجيريا مع مني اركو مناوى.
    وعلى ذات النهج وسوابق وسوالف تجارب إتفاقيات السلام، حدثت خلافات وإضطرابات أمنية بالغة التعقيد، لغياب قدرات ومهنية مؤسسات الأجهزة الأمنية القائمة، للفعل والعمل الممنهج المستمر من حواضن القوى السياسية، الساعية للسيطرة على جهاز إدارة الدولة، بمنهجية الابتزاز السياسي، وإضعاف مؤسسات الأجهزة الأمنية القائمة. ذات النهج يبرز من حواضن قوى الحرية والتغيير، لكنها متعللة بفزاعة الدولة العميقة، واتباع سياسة الاحلال والابدال السريع لمنسوبي الأجهزة الأمنية، والتشاكس السياسي بين مجلسي السيادة والوزراء في تبعية الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتلكؤ في ملئ شواغر الاحلال والإبدال بإعادة التعيين بالاستفادة من كفاءات وقدرات جالسة على الرصيف. ودلالة القول، ما يجري على الأرض، من إحلال وابدال متسارع نجده في قيادات الشرطة، فخلال نحو عام، تم الاستبدال في القيادات بما يعادل قيادات عشرة أعوام، وإنهاء خدمة نحو 35% من الضباط. لتكون الدوله، وضابط الشرطة، وضباط الأجهزة الأمنية الاخرى، الضحية في سوق الابتزاز السياسي، بعقلية الابدال والاحلال المتسارع تحت ستار فزاعة الدولة العميقة، وإنهاء خدمة الضباط من الخدمة، باحالتهم للتقاعد في المعاش، بعقلية سوق البصل في امدرمان حي العرب، بعقلية بيع البصل بما حصل.
    ونلتقي

The post السودان: د. الطيب عبد الجليل يكتب: بيع البصل بما حصل! appeared first on الانتباهة أون لاين.