X

استقالات الوزراء.. حمدوك يباغت الشركاء !!

في الوقت الذي تودع فيه الخرطوم ليالي الحظر الصحي المُثقلة بالأحزان والمخاوف والصعاب، وتخرج مُجبرة على استئناف الحياة ومعاودة رحلة الرهق لكسب العيش، وفي الوقت الذي ما زال فيه السودانيين يتداولون بينهم أحاديث الثورة والثورة

المضادة، وغلاء الأسعار، وارتفاع الدولار، وتوقف عجلة النهوض من مستنقع الوحل، في غضون ذلك كله استدارت الرؤوس كلها نهار الأمس، نحو اجتماع مجلس الوزراء الطارئ، حينما ضغط رئيس الوزراء عبدالله حمدوك على مفاتيح القرار التاريخي القاضي بإعادة تشكيل مجلس الوزراء على نحو يلبي تطلعات الجماهير ويعالج الاخفاقات التي صاحب تجرية الحكومة

الانتقالية خلال الفترة السابقة. وكانت قرارات حمدوك مفاجئة للجميع على الرغم من أن الناس يتوقعون تعديلاً في الطاقم الحكومي بسبب الاقتراب من توقيع اتفاق سلام شامل مع الجبهة الثورية، إلا أن عنصر المباغتة كان حاضراً خصوصاً بعدما

أكدت قيادات في الحرية والتغيير والتي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة، بأنهم لا يعلمون شيئاً عن هذا التغيير، وأنهم مثل غيرهم سمعوا به من وسائل الإعلام. وكان اجتماع الوزراء أفضى إلى تقديم الوزراء استقالات جماعية بعدما طلب منهم حمدوك ذلك، واستجابوا فور أن برر حمدوك بأن ضرورة مراجعة الآداء وتجويده أمر يطلبه الشارع السوداني بقوة.

حيثيات القرار
وطبقا لبيان صادر عن إعلام مجلس الوزراء، اطلعت عليه (الجريدة)، تقدم الوزراء باستقالاتهم من مواقعهم لإتاحة الفرصة لإعادة تشكيل الحكومة، وقبل رئيس الوزراء استقالة كل من، وزيرة الخارجية، أسماء محمد عبد الله، وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، إبراهيم البدوي، وزير الطاقة والتعدين، عادل علي إبراهيم، وزير الزراعة والموارد الطبيعية، عيسى عثمان

شريف، وزير النقل والبنى التحتية، هاشم طاهر، وزير الثروة الحيوانية، علم الدين عبد الله أبشر. كما أصدر حمدوك، قرارا بإعفاء وزير الصحة، أكرم علي التوم. وكلف حمدوك، وزير الدولة بالخارجية، عمر إسماعيل قمر الدين، بتصريف وزارة

الخارجية، وهبة أحمد علي، بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، وخيري عبد الرحمن، بوزارة الطاقة والتعدين، وعبد القادر تركاوي، بوزارة الزراعة والموارد الطبيعية، وهاشم ابنعوف، بوزارة البني التحتية والنقل، وعادل فرح إدريس، بوزارة الثروة

الحيوانية، وسارة عبد العظيم حسنين، بوزارة الصحة. وقال حمدوك وفقا للبيان إن “الوزراء أرسوا تقليدا جديدا في العمل العام من خلال ما أبدوه من تفان وإخلاص ونزاهة”. وأضاف، “تحدث رئيس الوزراء عن الحاجة لتقييم أداء الحكومة استجابة

لرغبة الشارع الذي خرج يوم 30 يونيو 2020، مطالبا بتصحيح مسار الثورة، وإجراء تعديلات على طاقم الحكومة ليتناسب والمرحلة الجديدة”. وتجدر الإشارة إلى أن التعديل الوزاري، يجئ توطئة لتشكيل حكومة جديدة واسعة، لمواجهة تحديات المرحلة الحالية، بعد توقيع اتفاق السلام، مع الحركات المسلحة الأسبوع المقبل في جوبا.

توضيح حمدوك
أوضح رئيس مجلس الوزراء عبدالله حمدوك، أن التعديلات الوزارية التي قام بإجرائها أمس الخميس، اتخذت بعد تقييم شامل ودقيق لأداء الجهاز التنفيذي. وأكد حمدوك، في تغريدة على تويتر، مساء الخميس، استمرار التقييم والتدقيق، لتحقيق أهداف الثورة والوفاء العملي لدماء وتضحيات الشهداء. وأضاف حمدوك، “إن عهدنا معكم التقدم بثبات مهما واجهتنا العثرات ولن نقبل بالرجوع إلى الوراء، بل سنمضي قدماً في درب البناء والتعمير، ولتشييد صرح سودان ثورة العزة والكرامة والعدالة والسلام، بناءً قوياً ومتيناً يليق بشعبنا وبتضحياته ومن أجل رخاءه وأمنه واستقراره”.

عدم تشاور
في الوقت الذي بدأ الناس يجتهدون في تفاسير مختلفة لخطوة حمدوك والتي حملت معها مفاجآت لم تكن في الحسبان حول كثير من الوزراء الذين تم قبول استقالتهم مثل وزير المالية والذي ظل كثير من المراقبين يحسبونه على المقربين من حمدوك، في غضون ذلك ظل التساؤل شاخصاً عن مدى انسجام تحالف الحرية والتغيير مع هذا الإجراء. عضو المجلس المركزي للحرية والتغيير وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، صديق يوسف أكد في تصريحات لـ(الجريدة) فور انتشار خبر استقالة الوزراء، بأنهم في تحالف الحرية والتغيير ليست لديهم أية معرفة أو معلومة مسبقة عن هذا الإجراء، مشيراً إلى أنه بصفته الشخصية سمع هذه الأخبار من التلفزيون. وامتنع صديق يوسف من الإدلاء بأية آراء شخصية حول هذا الإجراء إلى حين استبيان الأمر بصورة رسمية عبر مخاطبة رئيس الوزراء للمجلس المركزي للحرية والتغيير.

أكرم ومدني
توزعت آراء النشطاء على منصات التواصل الاجتماعي ليلة البارحة حول الموقف من إقالة وزير الصحة الاتحادية أكرم التوم وعدم المساس بوزير التجارة والصناعة مدني عباس مدني. ويرى كثير من رواد مواقع التواصل بأن أكرم لا يستحق الإعفاء ويبررون ذلك بأن أكرم كان وزيراً مصادماً حاول محاربة مافايا الدواء وأراد تقويم الحقل الصحي ومعالجة الأخطاء التاريخية التي تعتريه، إلا أن آخرون ظلوا ينادون بإقالة أكرم أبدوا سروراً شديداً بقيام رئيس الوزراء بإعفاء أكرم الذي لم يتقدم باستقالته مثل عدد كبير من الوزراء، وهذه المجموعة ترى أن أكرم فشل فشلاً كبيراً في إدارة أزمة جائحة كورونا، وأن سياساته تسببت في أخطاء فادحة أدت إلى موت الكثيرون وانعدام الدواء وأوضاع سيئة داخل المشافي الصحية، فضلاً عن أنه تسبب في صراعات داخلية في الوزارة. بالمقابل اتفق معظم النشطاء على أن وزير التجارة والصناعة مدني عباس مدني كان هو الأحق بالإقالة ، ويبررون ذلك بأنه فشل في إدارة أزمات حياتية مهمة تتمثل في توفير الخبز وحل مشكلاته، وأنه ظهر بشكل متواضع جداً في قدرته على إدارة الأزمات المتصلة بالخبز والخدمات والسلع الاستهلاكية ، كما أنه ظهر يكرر الوعود التي تنتهي إلى لا شئ.

استحقاقات السلام
برر كثير من المراقبين بأن الحكومة تمضي خطوات واسعة نحو توقيع سلام شامل مع الجبهة الثورية خلال الأسبوع القادم، وهذا الأمر يتطلب تعديل كبير في الوثيقة الدستورية، وأن الاتفاق مع الجبهة الثورية هو ما قاد حمدوك لإجراء تعديلات في السلطة التنفيذية تقتضي بإشراك قوى الكفاح المسلح في الجهاز التنفيذي للحكومة الانتقالية. إلا أن آخرون يروا أن الحكومة بهذه الطريقة وتحت مسمى استحقاقات السلام ربما تفتح الباب مجدداً لأخطاء تاريخية على شالكة (المحاصصات) التي انتهجها النظام البائد، بينما يرى آخرون بأن أنصار الكفاح المسلح لديهم كثير من الكفاءات التي يمكن أن تضيف حيوية قصوى للمشهد السياسي. بالمقابل توجس أنصار الثورة السودانية من أن يكون التعديل الوزراي هو بمثابة فك ارتباط مع تحالف الحرية والتغيير الذي قاد الحراك الثوري إلى حين سقوط النظام، وهو مؤشر جديد بأن رئيس الوزراء ربما لجأ إلى تعديل تحالفاته مع الحرية والتغيير بأن يكون تكون هناك حاضنة جديدة للحكومة مشكلة من قوى الكفاح المسلح والمكون العسكري والمتعاونون من قوى الحرية والتغيير.

مطالب 30 يونيو
ألمح رئيس الوزراء عبدالله حمدوك إلى التغيير الذي حدث نهار الأمس في مجلس الوزراء بأنه نتاج لتجاوبه مع مطالب الشارع التي دفع بها في الـ30 من ينويو الماضي، وهي المطالب الخاصة بتصحيح مسار الثورة عبر إعادة النظر في الطاقم الحكومي. إلا أن مراقبون انتقدوا هذه التصريح بحسبان أن 30 يونيو كانت ترفع أهداف محددة تتمثل في تحقيق السلام واستكمال هياكل السلطة المدنية، وإعادة هيكلة القوات الشرطية وإرساء دعائم العدالة الانتقالية ولم تتطرق إلى إعفاء الطاقم الوزراي على الإطلاق. وعلى الرغم من ذلك ينتظر السودانيين أن تنتهي مفاوضات السلام إلى وفاق بين الشركاء، وأن يتحسن الاداء التنفيذي للحكومة على نحو يليق بتطلعات ثورة ديسمبر المجيدة، إلا أن آخرون يتخوفون من ما يسمى اصطلاحاً بتيار التسوية السياسية التي تقوم على حساب محاسبة الذين ارتكبوا جرماً في حق الوطن والمواطن من رموز النظام السابق، وتحقيق القصاص لأرواح الشهداء وضحايا نظام الانقاذ. وأعلن نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي عن جاهزيتهم لمقاومة الإجراءات الأخيرة التي قام بها حمدوك في حال أنها أفضت إلى تسوية مع النظام البائد.

عبدالناصر الحاج
صحيفة الجريدة