X

هل سيكون العالم بعد كورونا كما كان قبلها! (1)

محمد التجاني عمر قش

نوف، بنت جيراننا، ذات السبع سنوات، اعتادت على قضاء بعض وقت فراغها مع أطفالي، سكينة وعمر، صديقيها الوحيدين في العمارة، وقفت أمام والدتها وهي تسأل بكل براءة: “ماما ليش ما عدنا نروح عند سكينة وعمر ولا هم يجون عندنا، والله ودي أزورهم اليوم، اشتقت لهم كثير”. احتارت الأم في الإجابة، وحاولت جاهدة أن تشرح لصغيرتها ما طرأ على العالم من تغيير جراء هذا المخلوق، أو الجسم المصنوع، لا ندري، وألزم كل شخص داره لمدة قد تطول أو تقصر! لم تفهم الصغيرة نوف ما قالت والدتها فتوجهت نحو باب الشقة ولكنه كان مغلقاً تماماً. وقفت عند الباب وصاحت بأعلى صوتها “يا عمر، يا سكينة، ليش أنتم زعلانين، وما عاد تجون عندنا؟” ولكن لم يرد عليها أحد؛ فأجهشت ببكاء هستيري مما جعل أمها تقترب منها لتشرح له ما يجري، دون جدوى. نوف جلست مكانها وظلت تناشد أمها كي تفتح لها الباب. قالت الأم: “تعالي عندي وخلينا نتصل عليهم، نشوف أيش الحاصل”. رفضت الصغيرة مغادرة موقعها، فما كان من الأم إلا أن أحضرت الهاتف واتصلت على أم عمر وشرحت لها الموقف. حاول الجميع توضيح ما يجري وما ينطوي عليه من مخاطر، ولكن نوف يهمها فقط لقاء أصحابها فقد ملت من البقاء في الدار.
هذا المشهد يجسد، بكل وضوح، مدى تأثير الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدول لاحتواء فيروس كورونا المستجد، والحد من انتشاره، ليس على الاقتصاد والأنشطة التجارية والأعمال فحسب، بل حتى على فلذات أكبادنا من الصغار والأطفال، كان الله في عونهم.
هذه الجائحة التي أنشبت أظفارها على كل الدول، لم يشهد العالم لها مثيلاً منذ الكساد الأكبر في ثلاثينات القرن الماضي، وهذا بالطبع من الناحية الاقتصادية. وفي الواقع، أجبر فيروس كورونا الشركات والدول والناس، فرادى وجماعات، على تغيير نمط سلوكهم بصورة لم تكن في الحسبان مطلقاً، إذ تغير كل شيء بين عشية وضحاها. ولعل ما طرأ على المجتمعات من تقييد لحركتها جعل كثيرا من الكتاب والمفكرين يتناولون هذا الوضع الطارئ وتأثيره على سلوكنا الاجتماعي بقدر من النقاش والتحليل وصولاً لرؤى علمية قد تساعد مستقبلاً في التعامل مع المستجدات المماثلة، التي قد تطرأ على الإنسانية في مقبل الأيام.
في هذا الصدد يقول الدكتور رجب العويسي في مقاله بصحيفة الوطن العمانية ما نصه: ” لست متشائماً بما يمكن أن يحدثه كورونا من تأثير سلبي في شأن القيم والأخلاقيات والمبادئ والالتزامات والسلوك الاجتماعي؛ نظراً لما قد تصنعه التدابير والإجراءات الاحترازية والوقائية من فصل جديد في إدارة السلوك الاجتماعي وإعادة إنتاجه بطريق أكثر معقولية وانضباطاً؛ للقناعة بأن الأزمات، كما هي تولد الاختراعات والابتكارات والأفكار، فهي أيضاً، تولد المسؤوليات وتبني الفرص وتجدد الأدوات وتصحيح الممارسات وتصنع فرص المنافسة والتحدي وتعيد النظر في الكثير من العادات التي يمارسها الإنسان بدون وعي أو إدراك للحكمة منها وأهميتها وفوائدها، إنها فرصة للتعمق والبحث في كنه الممارسة وترقية أسلوب التعامل وإعادة طريقة التواصل، وفهم لماذا يتم ممارسة هذا السلوك بالطريقة هذه دون غيره. ولابد من تصحيح الممارسات الاجتماعية؛ بحيث تدفع إلى المزيد من التنازلات الشخصية في سبيل الحفاظ على كيان المجتمع وسلامة إنسانه وإبعاده عن مكامن الخطر”.
وإذا حدث ما ذهب إليه الدكتور رجب، نكون بذلك قد قلبنا النقمة إلى نعمة؛ لأننا فعلاً بحاجة إلى إعادة النظر في كثير من أساليب معيشتنا وسلوكنا الاجتماعي والفردي؛ بحيث يمكننا التكيف مع كل ما يطرأ على عالمنا المعاصر من مستجدات باتت تحدث بين كل فينة وأخرى، سواء في مجال الاقتصاد أو البيئة أو حتى الأحوال الصحية والطبيعية، التي تؤثر بشكل مباشر على سلوك الإنسان ونمط حياته، مثلما حدث للصغيرة نوف تماماً.
من جانب آخر قال الدكتور عزت جرادات في بحث له: ” إن من أهم التداعيات والتحديات التي يفرضها الوباء التحرّك السريع، وطنياً، لوضع ضوابط وقائية من شأنها أن تبدد القلق المجتمعي، وتبعث الطمأنينة في النفوس من أجل السلامة العامة للمجتمع، معتمدة أساليب ووسائل قد لا تكون مألوفة في الحياة اليومية وفي السلوك الاجتماعي مثل “التباعد الاجتماعي” و”البقاء في البيت”، والالتزام التام بالإجراءات والمتطلبات السلوكية. وكلما كانت درجة الالتزام المجتمعي بالتدابير الوقائية عالية، كان ذلك تعبيراً عن الشعور بالمسؤولية الفردية والمجتمعية، بروح عالية من المواطنة، مع تفهم الإجراءات الاحترازية المؤقتة. ومن الضرورة، إثناء هذا الوباء وما بعده، أن يتهيأ المجتمع لاستيعاب المتغيرات السلوكية المجتمعية بدرجة عالية من الإدراك والمرونة والتكيّف؛ من أجل إعادة صياغة السلوك الاجتماعي والعادات المجتمعية بشكل مناسب كتعزيز العلاقات الاجتماعية من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وتنظيم المناشط، واتباع سلوك الحد الأدنى من التواصل ما بين البشر في مختلف مجالات العمل والتسوّق والحياة الاجتماعية عموماً”
هذه الحلقات ستسلط الضوء على تداعيات الجائحة من عدة جوانب.