X

اعتصام نيرتتي الموشمة بخضرة الضفاف

صلاح شعيب

تخرج نيرتتي المجملة بصمود دفاعها الشرس ضد النظام البائد فتعتصم الآن بمشهدية تؤكد عصي انكسارها. وبمثلما أنها قاومت أيام سطوة الجنجويد فهي في هذه اللحظة ترسل لحواضر البلاد رسالة سلميتها الوريفة، وكذا قدرة مجتمعها المدني على تجويد السير غير الوئيد نحو السلمية، بلوغا لغاياتها الوجودية التي أهملتها الحكومات المركزية المتعاقبة. فقد كان من المتوقع أن تكون نيرتتي الجميلة بمثابة بنك السودان الذي يكف البلاد السؤال الملح عن العون الخارجي، ولكن!. فما تزال خضرة أراضيها مبللة بطلاوة الندى، وغدرانها تتماوج وسط عتمة الجبل، وشلالاتها تموسق الزمان بإيقاع سريانها الغرويد.

ولهذا يأتي اعتصام المدينة المكحلة بخضرة الضفاف لينبه مسؤولي المركز، وتياراته السياسية، ومنظماته المدنية، بضرورة أخذهم في الاعتبار أيضا. فالآن وحده ينفر شباب نيرتتي وفتياتها الجميلات خفافا وثقالا ليرسموا هذه الايام لوحة البداية لخروج إنسان دارفور المكلوم من ضغط المركزية، وسياساتها الظالمة. فنيرتتي هي قصة خيبة الساسة الذين عجزوا عن توفير الامن لمواطنها المسالم فيما تجوب حوله المليشيات المدرعة بأرتال من أنواع الأسلحة، ومكر الغدر. وقد تجاهل الوالي مطالب أهل المدينة، وغض بصيرته عن رعيته بتسلط يشبه عصر المغول الإسلاميين.

فكل المؤسسات النظامية المورثة من العهد البائد ما تزال هناك لتكرس الرفض للتغيير، ولأن تمكين المؤتمر الوطني ما يزال جاثما في كل أرياف السودان فإن مسؤولي نيرتتي يريدون أن يهزموا التغيير المدني بتفجير الأوضاع مرة أخرى من الأطراف.

فالفلول يسيطرون على محليات الحاضرة، ولا يوفرون الخدمات الأساسية للنازحين الذين يعادونهم بينما يفلت المجرمون الذين يستخدمون الدراجات النارية تحت مرأى ومسمع النظاميين، ولا توجد سانحة للتقاضي. ولكن نيرتتي والفرقان التي تجاورها في محلية غرب جبل مرة ما تزال تصمد أمام انتهاكات جرائم المليشيات، فالقتل، والاغتصاب، ونهب الممتلكات، من الأحداث الراتبة. وبالتالي أمسى من الصعوبة بمكان أمام المزارعين في زمان حل فيه الخريف أن يواصلوا الحرفة، وذلك ربما يهدد بمجاعة آجلة.

إننا نعلن تضامننا مع أهالي نيرتتي، ويجب أن يتحرك المسؤولون في السيادي والتنفيذي لمخاطبة قضايا المعتصمين، والاستجابة العاجلة لمطالبهم العادلة. وكذلك ينبغي إتاحة الفرصة لمواطني نيرتتي لرؤية القصاص تجاه هؤلاء المجرمين الذين يفلتون دون العدالة، وذلك قفلا لباب الغبن الذي هو شرارة الغضب التي قد تقود لتفجير الموقف.

إن اعتصام نيرتتي التي تزين غرب جبل مرة يعني أن الحاضرة تخرج من تواريخ الاستهداف الملطخة باغتصاب نسائها، وتدمير مكامن جمالها، واستهداف صبيتها الشجعان. ولكن نيرتتي لم تخرج من تبجيلات تاريخ المقاومة بعد. بل تخط الحاضرة سلميا سطورا ملحمية النيرتتاوي شديد المراس بالطبيعة، وغلوائها، وبالإنسان الشرير ومكره. كما استمدت النيرتاتاوية من طبيعتها أيضا سمح الخاطر، وعفوه، وتسامح الفرقان الذي هو آية أهل الجبل، في غربه وشرقه، شماله وجنوبه، ووسطهم. وهم هكذا صرة تاريخ سلطنة الفور التي دامت نحو أربعمائة عاما ونيفا. وإذ تحكي نيرتتي عن نبل إنسان دارفور فأهلها الكرم ذاته، والنفير أنفسهم، والجسارة أتمها.

%%footer%%