X

أبرزها القصاص للشهداء.. وترتيب هياكل السلطة مطالب الثوار.. عداد وعد التنفيذ بدأ الحساب!!

خرج الملايين من السودانيين في مدن البلاد المختلفة تلبية لذكرى الثلاثين من يونيو، والتي تهدف إلى تصحيح مسارة الثورة، بجانب تحقيق مطالب رئيسية ابرزها القصاص لشهداء ثورة ديسمبر المجيدة، واستكمال هياكل السلطة الانتقالية، بالاضافة إلى إقالة مدير عام الشرطة، ووزير الداخلية، ولأن هذه المطالب أساسية وخرجت من أجلها الجماهير، كان لزاما على حكومة الثورة أن تتعهد بتحقيقها، إذ أكد رئيس الوزراء عبدالله حمدوك أن ذات المطالب مشروعة، وأن حكومته سوف تعمل على تنفيذها بالشكل الأمثل وذلك خلال الاسبوعين القادمين.. فيما يتمدد السؤال حول قدرة الحكومة على تحقيق هذه المطالب؟ وهل هنالك ثمة عقبات تعترض مضي الحكومة في تحقيقها؟

تعهدات حمدوك

ثمة قرارات حاسمة في مسار الفترة الانتقالية ستصدرها الحكومة في غضون الأيام المقبلة، وذلك بحسب رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، والذي قال عنها سوف يكون لبعضها أثرًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا، وقطع بأن كلمة الجماهير وقرارتها لا راد لها، وحول لقاءاته التي سبقت المليونية، قال حمدوك التقيت في الأيام الماضية بطيف واسع من القوى السياسية ولجان المقاومة والقوى المجتمعية، واستلمت وقرأت بعقل مفتوح وخاطرٍ اكثر انفتاحا مذكرات لجان المقاومة واسر الشهداء عن تعديل المسار، وأكد حمدوك خلال خطاب له بمناسبة ذكرى الثلاثين من يونيو، أن كل المطالب التي وردت في هذه المذكرات مطالب مشروعة واستحقاقات لازمة، لا مناص عنها من أجل وضع قاطرة الثورة في مسارها الصحيح، وتعهد بأن حكومة الفترة الانتقالية ستعمل على تنفيذها بالشكل الأمثل خلال الاسبوعين القادمين متوخيين في ذلك التوصل إلى أعلى درجات التوافق والرضا الشعبي، مؤكدا أن حكومته ستحقق العدالة والقصاص الذي يضمن عدم تكرار الجرائم التي تم ارتكابها خلال الثلاثين عاما الماضية في حق أبناء الشعب، ومحاربة سياسات الافقار المنظم التي عانى منها الشعب خلال العقود الثلاثة الماضية، لصالح سياسات اقتصادية متوازنة تضمن التنمية وعدالة توزيع الموارد، وتوفير الخدمات الاساسية للجميع، وتحقيق السلام الشامل والعادل والدائم في السودان، والسعي لاسكات صوت الرصاص وجدل البندقية في الساحة السياسية السودانية إلى الأبد، وضمان سيادة حكم القانون والعدالة في ربوع البلاد بشكل جذري لا مساومة ولا تهاون فيه.

مذكرة الثوار

لم تنتظر أسر الشهداء ولا لجان المقاومة مليونية الثلاثين من يونيو لتعبر عن مطالبها، إذ دفعت قبل يومين من المليونية بمذكرة لمجلسي السيادة والوزراء، شددت فيها على ضرورة الإعلان عن نتائج لجنة التحقيق، في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، واعتصامات الولايات، مع توضيح معوقات وأسباب تأخر عمل لجنة التحقيق، كما شددت المذكرة على ضرورة إنشاء محاكم ونيابات خاصة لتسريع عمل لجان التحقيق وإنفاذ العدالة لأسر الشهداء والمفقودين والجرحى وضحايا الانتهاكات، وتمسكت المذكرة بضرورة تقديم توضيح من النيابة العامة عن تأخر البت في قضية المفقودين، والوصول لنتائج حقيقية وملموسة، بالاضافة إلى اعلان كافة نتائج لجان التحقيق التي تم إنشائها لتقصي وقائع الانتهاكات التي أُرتكبت طيلة فترة حكم الإنقاذ وخلال ثورة ديسمبر المجيدة وحتى الآن، وقالت المذكرة التي اطلعت عليها (الجريدة): لامسنا تخبطاً واضحاً في آداء الحكومة الانتقالية واتضح ذلك جلياً في الكثير من القرارات الخاطئة، وقد عملنا مراراً وتكراراً على التنبيه بالأخطاء والإشارة للخلل عبر مختلف الوسائل، فتتم الاستجابة حيناً والتجاهل والتجاوز في أحايين كثيرة، لذلك كان لزاماً علينا أن نخرج للشوارع لما قد نظنه يخدم أهداف ومصالح الثورة في استكمال مهامها وتصحيحاً للمسار وتقويم الانحرافات.

مطالب مشروعة

لم تكتف مذكرة أسر الشهداء بالمطالب اعلاه، إذ نادت بضرورة إنجاز السلام العادل والشامل وتولي مجلس الوزراء لإدارة عملية السلام عبر المفوضية القومية للسلام، ووفقاً لما نصت عليه الوثيقة الدستورية وتمسكت بالحل الفوري لما يعرف بالمجلس الأعلى للسلام الغير الدستوري، والإعلان عن نظام الحكم اللامركزي (الفدرالي) لحل قضية التهميش، وطالبت بإنصاف المواطنين في مناطق النزاع (دارفور، جنوب كردفان والنيل الأزرق)، ومحو آثار الحرب عن الشرق والسعي لتحقيق التنمية المتوازنة وتحقيق العدالة الانتقالية والجنائية، للقتلى وضحايا الحروب والنزاعات والانتهاكات طيلة فترة عهد الإنقاذ وما قبلها وما بعد الحادي عشر من أبريل 2019م وذلك عبر تكوين مفوضية العدالة الانتقالية، وفق أسس قومية جامعة تراعي التنوع والكفاءة والتخصصية بجانب الإصلاح العاجل والشامل للأجهزة العدلية والقضائية للوصول لدولة القانون، عبر تكوين مفوضية إصلاح المنظومة الحقوقية والعدلية ومجلس القضاء العالي والمجلس الأعلى للنيابة العامة، حسب ما نصت عليه الوثيقة الدستورية، ولتكون الأجهزة القضائية والعدلية مستقلة وقادرة على محاسبة كل من أجرم في حق الشعب السوداني، وزادت: لا يأتي ذلك وما زالت هذه الأجهزة تقع تحت أيادي النظام البائد.

وصفة الثوار

وطالبت مذكرة أسر الشهداء ولجان المقاومة، بضرورة استكمال هياكل السلطة والإقالة الفورية لكل الولاة العسكريين، وتعيين ولاة مدنيين وفق اختيارات وترشيحات أهل الولاية، في فترة زمنية قريبة ومحددة إلى حين اكتمال عملية السلام، وأردفت، ما زالت الولايات تُحكم من قبل النظام البائد، ولم يشعر أهلها بأي تغيير يذكر بعد، كما يجب مراعاة التمثيل النسائي، وألا يكون ترشيح الولاة عبر المحاصصات الحزبية ووصاية المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير وأن يتم التعامل بشفافية وإشراك الرأي العام بمعايير اختيار الولاة وأسمائهم قبل إعلانها. بجانب تكوين المجلس التشريعي الانتقالي وفق قيد زمني محدد وعبر تحديد مكوناته، وأسس وآلية تكوينه ونسب كل مكون ومعايير اختيار أعضائه. وطالبت بالإقالة الفورية لوزير الداخلية ومدير عام الشرطة ومدير شرطة ولاية الخرطوم، والحل الفوري لكافة الميليشيات غير النظامية، والتفكيك الكامل لجهاز أمن الحركة الإسلامية وبناء جهاز مخابرات جديد يقتصر على جمع وتحليل المعلومات، والإسراع في تكوين جهاز الأمن الداخلي التابع لوزارة الداخلية لخدمة التحول الديمقراطي والمواطن. ونوهت الى أن الشعب يعاني أزمة اقتصادية خانقة وغياب للخطط الإسعافية العاجلة، والخطط الاستراتيجية وانتقدت عدم فتح المنافسة في الوظائف في الخدمة المدنية، وذكرت بدلاً عن فتح وظائف الخدمة المدنية للمنافسة الحرة والعادلة، تحولت لاستبدال تمكين بتمكين آخر وجعل الخدمة المدنية عاجزة، مما وضع الثوار في خط المواجهة ليقوموا بواجبات ووظائف الحكومة وإداراتها التنفيذية المختلفة وأحياناً بأعمال الشرطة والأمن، بالدور الرقابي على السلع والخدمات والرصد والتبليغ عن المخالفات، واثنت على تضحيات لجان المقاومة، واستدركت قائلة لكن اصطدمت آمال شعبنا وعزيمته بحكومة أقل من طموحات الثورة حتى الآن، وبحاضنة سياسية لا تملك رؤية واضحة مشتركة لقضايا الانتقال وبناء الدولة ودقت ناقوس الخطر لأن أداء حكومة الثورة أقل مما هو مطلوب، ويحد من حركتها بقايا النظام البائد الذين يصولون دون خوف. ورأت أن الحكومة تحيط بها دسائس ومكائد مكونات إقليمية ودولية، لا ترغب في أن يكون السودان قويا، إلا أنها عادت لتؤكد وجود مساحات للتقدم والبناء، مدفوعة بآمال ورغبات الشعب الذي انتصر على الشدائد وما يزال، ورهنت ذلك بتحلي قيادة الدولة بالعزم والشفافية والعمل مع التخطيط السليم.

ماذا قال السيادي؟

ما أن سلمت لجان المقاومة وإسر الشهداء مذكرتها للمجلس السيادي ومجلس الوزراء، حتى جاء الرد سريعا من قبل اعضاء السيادي، إذ أكد عضو المجلس السيادي الانتقالي محمد الفكي سليمان، للجان المقاومة التزام الحكومة الانتقالية بالرد عملياً على المذكرة التي رفعوها أمس، وذلك من خلال جداول زمنية محددة، واعتبر الفكي أن المواكب التى تمت الدعوة لها فى 30 يونيو، تأتي تأكيداً لقوة ثورة ديسمبر المجيدة وعزيمة الشارع السوداني على فرض إرادته وتذكير الحكومة بأهداف الثورة، وأشار إلى العهود التي توثق بين الحكومة وقوى الثورة، والتي على رأسها حقوق أسر الشهداء والجرحى والمفقودين، وفقا للعهد المكتوب فى ميثاق قوى الحرية والتغيير، مؤكدا التزام الحكومة بتنفيذ جميع المطالب التي تم تفويض الحكومة بإنجازها، وقال الفكي “عندما لايعمل الحكام والأجهزة بالصورة المطلوبة فيجب على الشعب أن يذكر الحكومة، وهذا هو الشيء المطلوب باعتبار أن الشعب هو صاحب هذه الثورة وصانعها”، وأشار إلى أن موكب 30 يونيو قد أكد عبقرية الشعب السوداني فى تحويل ذكرى اليوم المشؤوم إلى ذكرى حية. وقال الفكي إن التظاهر ضد الحكومة متاح، وهو حق انتزعه الثوار عندما اسقطوا حكومة النظام البائد. وأشار إلى رفع مذكرة لجان المقاومة للحكومة الانتقالية بمجلسيها (السيادي والوزراء) مؤكدا أن الحكومة ملزمة بهذه المذكرة عبر الرد العملي وتوضيح جميع الحقائق، مؤكداً أن ثورة ديسمبر قادرة على فرض مطالبها.

مطالب عادلة

وفي رده على مذكرة الشهداء، قال فيصل محمد صالح وزير الثقافة والإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة، أشار إلى حديث النائب العام مؤخرا حول الفراغ من ملفات قضايا سترفع إلى المحاكم، من بينها قضايا الشهداء وستبدأ فيها المحاكمات بعد مزاولة المحاكم أعمالها عند انقشاع جائحة كورونا، وأكد وزير الاعلام، أن الحكومة الانتقالية بجميع مكوناتها منذ تكوين الحكومة بدأت السعي الجاد للسلام مرورا بالذهاب لمفاوضات جوبا بقلب مفتوح، وعدد مواقف الحكومة التفاوضية، ودعا الأطراف الأخرى لأهمية تحقيق السلام الشامل بالبلاد، وأشار إلى لقاء رئيس الوزراء عبدالله حمدوك بباريس بقائد حركة تحرير السودان عبدالواحد محمد نور، بالإضافة إلى زيارة رئيس الوزراء إلى كاودا للقاء عبدالعزيز الحلو زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال، بجانب المفاوضات التى لم تنقطع مع الأطراف الأخرى و التي تجري إسفيرياً لظروف جائحة كورونا منوهاً إلى أن جميع هذه الخطوات تؤكد جدية الحكومة فى الوصول الى سلام شامل، وجدد العهد للجان المقاومة وأسر الشهداء بالإلتزام بجميع العهود التي تواثقوا عليها مدركين حرص لجان المقاومة وأسر الشهداء على تحقيق جميع أهداف الثورة.

عقبات في الطريق

وحول ذلك، يرى القيادي السابق بقوى الحرية والتغيير جعفر خضر أن خروج الثوار في مليونية ٣٠ يونيو بهذه الأعداد الهائلة، بقيادة لجان المقاومة، يؤكد أن جذوة الثورة لا تزال تتقد بقوة، وأنها بالغة أهدافها رغم كيد الكائدين، وأن مطالب الثوار ستتحقق رضي من رضى وابى من أبى، غير أن جعفر عاد واقر بأن هنالك ثمة عقبات تواجها الحكومة في تحقيق هذه المطالب، ابرزها عقبات تواجه الحكومة نفسها، ممثلة في جزء من شقها السيادي على الأقل، بالذات في تحقيق العدالة والقصاص للشهداء، إذ يقول خضر إن القوات التي تأتمر بأمر عساكر المجلس السيادي هي التي ارتكبت المجازر واغتالت الشهداء واغتصبت النساء، واصفا هذه العقبة “بالكؤود” والتي تؤثر على بقية المطالب،وقال خضر في حديث خص به (الجريدة) إن إصلاح الأجهزة العدلية يفتح الطريق لتحقيق العدالة التي ستطأل رؤوس كبيرة في المجلس السيادي، لذلك يتم تعطيل هذا الإصلاح من جانبهم، كما أن تحقيق السلام يتطلب إعادة هيكلة القوات النظامية وتصحيح عقيدتها القتالية، وهذا يؤدي إلى عدم سيطرة أفراد على هذه القوات، مما يسهل مثول المتورطين في المجازر للعدالة، وعن العقبات التي تواجه استكمال هياكل السلطة قال القيادي بالتغيير إن استكمال أجهزة السلطة الانتقالية والمجلس التشريعي، والولاة المدنيين يسعى لتعطيلها عساكر السيادي، رغم محاولتهم عدم إظهارهم لذلك، معتبرا تعطيل تعيين الولاة المدنيين يعد أحد أسباب الضائقة الاقتصادية التي يعيشها الناس الآن لجهة أن بقايا النظام البائد لا يزالون يمسكون بمفاصل الخدمة المدنية، واضاف، أن هذه القضايا يمسك بعضها بتلابيب بعض، وتكمن عقدتها في عساكر السيادي الذين يتركز تفكيرهم في حده الأدنى في حماية أنفسهم من المساءلة القانونية، وهذا يضاعف رغبتهم في الاستحواذ على السلطة، إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولكن هيهات .

رغبة الحكومة

يرى القيادي بحزب الأمة عروة الصادق أن جميع مطالب الثوار ستُحقق، لجهة أنها اتسقت مع بعضها البعض في مختلف مدن وولايات السودان حيث كانت مطالب موحدة، وقال عروة لـ(الجريدة): هنالك رغبة حقيقية في صفوف الطاقم الوزاري والسيادي، للاستجابة لهذه المطالب المشروعة، ولم يستبعد الصادق أن تكون هنالك عقبات تحول دون تحقيق هذه المطالب، وبحسب القيادي بحزب الأمة هي ممانعة قوى الردة، واعداء الثورة ومنهكي الاقتصاد، فضلا عن اجندات الخارج التي تدعم المعسكر الاخواني داخل السودان، والتي تريد اعادته بالمال والسلاح إلى السلطة، لذلك فإن كل هذه العوامل تريد عدم تحقيق اهداف الثورة ومكتسباتها، المتمثلة في القصاص لأسر الشهداء وتقديم رموز النظام البائد للمحاكمة، وفي رده على سؤال حول إن كان المكون العسكري في السلطة، مع تحقيق هذه المطالب أم لا قال عروة، إن المكون العسكري ينخرط في دعم وحماية الفترة الانتقالية، مستدلا بالمكاشفة والمواجهة التي قام بها العسكر قبل الثلاثين من يونيو، وهي اجتيازهم مخططات التخريب التي خطها الفلول، بجانب الموقف المعلن والرئيسي الداعم للحكومة واجندتها، والاتفاق لصد تحركات قوى الردة بكل قوة، والوقوف مع الشعب في خندق واحد ضد كل مؤامرة تحاك ضده، مؤكدا أن القوة العسكرية تأتمر بأمر الشعب وسلطته المدنية، مستدلا بحديث عضو مجلس السيادة الانتقالي الفريق ياسر العطا والذي قال فيه إن القوات المسلحة والشرطة والدعم السريع في خدمة الشباب.

 أحمد جبارة

صحيفة الجريدة