X

أحمد يوسف التاي يكتب: نجح الثوار ورسبت الحكومة

«1»
بقراءةٍ متأنيةٍ، ونظرةٍ شاملةٍ لمليونية 30 يونيو، يمكن القول أن الثوار نجوا بامتياز بينما فشلت الحكومة بامتياز، وسقطت كثير من الأحزاب في امتحان الأخلاق والمسؤولية.
صحيح أن المسيرة اجتازت كل المخاطر الأمنية المحتملة التي حذر منها الحادبون على أمن واستقرار البلاد، ولعل عملية الاجتياز الآمن قد حدثت بفضل كثرة التحذيرات، والدعوة لليقظة وأخذ الحيطة والحذر، والتنبيه لاحتمالات استغلال المتآمرين على الثورة المواكب وجرها نحو العنف والانفلات..
ولعل هذا ما أفشل كثير من التحركات المضادة المحتملة وابطل مفعولها.
«2»
لكن تظل المخاطر الصحية لانتشار فيروس (كورونا) قائمة، ويظل تحدي الجميع للحظر يلقي بظلالٍ كثيفة على المشهد كله، وتظل الكارثة أقرب للوقوع خاصة في ظل تجاهل أغلبية المتظاهرين التحذيرات الصحية من انتشار المرض، حيث لم تطبق جموع المتظاهرين إجراءات التباعد الاجتماعي، والتقيُّد بلبس الكمامات، حتى وزير الصحة نفسه، فقد نهى عن خلقٍ وأتانا بمثله، فيا له من عارٍ عظيم…
«3»
تدافُع المواكب أمس وكثرتها وَضَع الحكومة في موقف مُحْرِج للغاية،بانت من خلاله مرعوبة ، متناقضة وميكافلية، لايتسق قولها مع فعلها، مثلما كان قرار فك حظر الصلاة بالمساجد قبل عشرة أيام حيث جاء المنع في وقتٍ لم شهد ارتفاعاً لنسبة الاصابات، بينما جاء قرار فك الحظر في وقت ذروة انتشار المرض حسب التقارير الصحية..
«4»
موكب 30 يونيو وَضَع الحكومة في محك اختبار (كورونا)، وقد رسبت رسوباً عظيماً وسقطت سقوطاً مدوياً في هذا الامتحان..فكيف بالله أن تحجر الناس في منازلهم باصدار القرارات الحاسمة،
المحروسة بالقوانين وتعاقب من يخالفها، ولو أن هذا المُخالِف مضطراً لكسب لقمة عيشٍ بالحلال يضعها في أفواه اطفاله الزغب الصغار ليسد بها جوعتهم ورمقهم، أو كان هذا المُخالِف للحظر مضطراً لتناول جرعة دواء لإنقاذ حياة مريض بين الحياة والموت..
فكيف بالله أن تحجر هؤلاء (المضطرين) في منازلهم بحجة أن الوضع الصحي لايسمح ، وتتساهل مع انتشار هذه الجموع الغفيرة في مواكب لم يسبق لها مثيل لتخرج في كل مدن السودان، وتمهد لها الطريق وتتماهى معها،بل ولم يفتح الله على الحكومة بمجرد بيان تحذيري، بعد ان استعصى عليها قرار المنع رغم شبح الموت الذي كان مُطلاً برأسه، وكان بالإمكان الوصول إلى هذه النتيجة برفع مذكرات بالمطالب، أوتأجيل الموكب، او كان يمكن للحكومة ان تصدر قرارات تؤكد استجابتها لجميع المطالب من خلال خطاب حمدوك الذي استبق المسيرة لتنتفي حجة الخروج، وسيُفهم من ذلك حرصها على صحة شعبها…
فبأي حق وبأي منطق يستمر الحظر بعد هذه المواكب، وبأية حجة وبأي مبرر وبأي أخلاق ..
لقد كان اختباراً صعباً على حكومة حمدوك وقد رسبت بامتياز بينما نجح الثوار بامتياز،فهم على الأقل كانوا صادقين في توجههم وفي مطالبهم وفي تحديهم للحظر الذي ربما اكتشفوا انه سياسي اكثر من كونه صحي، وقد عزز موقف الحكومة كل ذلك…
«5»
أما خروج وزير الصحة، سواءً أكان خروجه لافتتاح مركز صحي جاء لافتتاحه بعد انتهاء الزمن المحدد بكثير، أو جاء مشاركاً في المليونية، او جاء بوصفه طبيباً يداوي الجرحى، كما تعددت التبريرات امس، فهو تصرف لايشبه رجال الدولة بأية حال حتى الافتتاح يمكن ان يؤجل أو يعتذر عنه، وأيّاً كان الأمر والمبرر، وغض النظر عماّ حدث له من اعتداء، فهذا التصرف هوأيضاً سقوط ورسوب ليس في امتحان (كرونا) وحسب بل رسوب في امتحان الاخلاق كذلك، فكيف يخرج وزير الصحة (كمان) وسط هذه الجموع مهما كانت الدوافع، وكيف يخترق هذه الصفوف ويتحدى الحظر والتباعد الذي يدعو له، ويضع نفسه في هذا الوضع الذي شاهدناه، وهو الذي ظل يدعو الناس صباح مساء للتباعد الاجتماعي، والمكوث بالمنازل ويمتنع عن مصافحة زملائه، أهو التصنُّع، ام ماذا؟..
تصرف اكرم يشيء بأنه انحاز لدعوة حزبه الشيوعي، وانتصر لانتمائه السياسي على حساب مهنته ومسؤوليته الاخلاقية، ومنصبه القومي وليس عندي مايبرر هذا التصرف…
«6»
صحيح أننا ندعم ثورة الشعب السوداني وحكومتها، بكل مانملك وبمانستطيع، لأنها تقود الآن سفينة الوطن في بحر متلاطم الامواج، وتحيطها المخاطر من كل جانب وتتقاذفها رياح الفتنة والتآمر من كل جهة، ولأنها بحاجة إلى كل دعم مخلص، لكن لن ندعمها بالتطبيل والتصفيق على الحق والباطل، ولن ندعم أيّاً من وزراءها الفاشلين، ولن نؤيد التصرفات الهوجاء لبعض الناشطين ولو حسُنت نواياهم وطغى حماسهم ،فإن فعلنا فلانستحق شرف الكتابة وأمانة الكلمة والمسؤولية الملقاه على عواتقنا، سنظل حرباً على المتآمرين على ثورة الشعب السوداني من “الفلول” كما صادمناهم وهم في السلطة ، وفي ذات الوقت سنظل في مواجهة مستمرة مع عديمي الضمائر والاخلاق داخل صفوف الثورة ونقولها بالفم المليان مسيرة 30 يونيو كشفت عورة حكومتنا، وجردتها من ثوب الاخلاق وابرزت تناقضاتها ومبرراتها الميكافلية للحجر المنزلي الذي أتى على الضعفاء والمساكين و”ستات الشاي” وعمال اليومية، واصحاب المهن الهامشية، والأرامل والايتام،وأناخ بكلكله على صدورهم، فأين الرحمة، وأين الاخلاق، واين الصدق مع النفس ومع الله والشعب…
اللهم هذا قسمي فيما أملك..
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.

صحيفة الانتباهة