X

أيها الشعب السوداني الفضل

(أحمد مدني)
Yagouba55@yahoo.com
الخرطوم 25 يونيو 2020م

نحن لسنا بدعا من الشعوب، والأمم من حولنا التي نهضت وسارت بخطى واثقة نحو مستقبلها، تمني شعوبها المن والسلوى، ضمنت لها الرفعة، والتقدم لأبنائها في العلم، والمعرفة، ضمنت لمجتمعاتها العيش الكريم، ولنسائها الحرية، والكرامة، ولصبيانها البيئة الصالحة، وفوق ذلك ضمنت لأطفالها حق اللعب في أمن وأمان. فالشعوب في أقصى الشرق؛ الشعب الياباني مثلا بفكره المحافظ لدرجة القنوت، ورغم خروجها مهزومة من الحرب العالمية الثانية، صارت اليابان سيدة العالم في التكنلوجيا، وفي الصناعات الألكترونية المعقدة، لدرجة أنه يخال أليك أن ما تنجزها العقلية اليابانية أمرا تحسبه فوق مقدرات البشر، ثم الصين التي حتى لوقت قريب (1949م)، لم يكن يعترف العالم ببر الصين وعضويتها في الأمم المتحدة كانت لتايوان، التي هرب إليها شي كايشي، ثم قامت الثورة الصينية بالأيدولوجية الشيوعية الماركسية على النهج الماوي المبني على التناقض المادي الجدلي، ورغم النتائج الكارثية لما أسماها القفزة الكبرى( 1958 -1962) بهدف تحول الصين من دولة زراعية مستهلكة لدولة صناعية، ثم كارثة الثورة الثقافية (1966-1976) ، رغم كل الإخفاقات تمكنت الثورة الصينية من تخليص الشعب الصيني من إدمان المخدرات، الى أمة منتجة، فالصين اليوم بأيدلوجية يسارية تمكنت من تحقيق أكبر طفرة في الإقتصاد، وهي اليوم، القوة الإقتصادية الأولى أو الثانية.

في الهند بلد الألف دين ودين، تمكن الشعب الهندي بقيادة المهاتما غادي (1869- 1948) من خلال فلسفة الساتياغراها (وهي فلسفة مقاومة الإستبداد من خلال العصيان المدني الشامل، من تحقيق الإستقلال والسير بالهند نحو الحضارة. فبالرغم من المعتقدات الكثيرة، تمكنت الهند أن تاخذ مكانها مع الكبار بجدارة وهي عضوة في النادي النووي، وكذا شقها المسلمة باكستان، أيضا دخلت النادي النووي وتنافح الكبار، وروسيا الماركسية اللينينية بعد ثورة عام 1917م، وبنهجها الإشتراكي الماركسي اللينيني، تمكنت من أن تكون القوة  الأولى أوالثانية في العالم، من حيث القدرات العسكرية، وهي أول دولة غزت الفضاء، ثم الدول الأوربية بمناهجها الرأسمالية، وبجمهورياتها وملكياتها التاريخية العريقة، أحدثت النهضة الحديثة، وقامت بقيادة العالم في العلوم والمعارف الحديثة، وتطوير الفكر المسيحي بمصلحين محتجين على حالة الكنيسة، قادة الإصلاح البروتستانت (المحتجون)، أمثال كلفن ( 1509 – 1564)، وزنجلى ( 1484 -1531) ومارتن لوثر(1483 – 1546 ). كما  قاموا بالكشوف الجغرافية ومهدوا الطريق للنهضة، ودفعوا بعجلة الحضارة الى الأمام، وهم روادها اليوم. ثم الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تبنت الفلسفة البرجماتية، بزعامة الفيلوسوف الأمريكي وليام جيمس، الذى يرى أنه لا قيمة لأى فكرة إذا طبقت على الأرض ولم تأت بفائدة، فالفكر عنده مربوط بفلاحه وإفادته للناس حال تطبيقه على الأرض.

قصدت بهذه السياحة عبر العالم، لأثبت حقيقة أن الشعوب والدول، مهما تكن أيدلوجياتها، ومعتقداتها، وعاداتها، وتقاليدها، ومناهجها، تستطيع أن تبني دولها وتشييد مجدها. إذن العلة ليست في العقيدة، أو الدين، فما هي مشكلتنا، ولماذا تأخرنا نحن وما زلنا في ذيل الأمم؟ أيها الشعب السوداني الفضل…أسمعوني جيدا، لا يمكن أن تبنى دولة، وتقيم حضارة، إذا لم تكن عندك قيمَ، ومباديء، وفوق ذلك لا بد أن تكون لديك المصداقية، والإخلاص. كل الأفكار وكل الأيدلوجيات، وغيرها لا تمنع أية أمة من النهوض، والتقدم، فقط يجب أن تكون صادقا في القول مخلصا في العمل. إذا توفرت لنا شرطي الصدق والإخلاص، لإنطلقنا بسرعة الصاروخ. إتفاقياتنا فشلت، لأننا لا نقدس الكلمة ولا نلتزم بالمواثيق، نعتقد أننا أذكياء جدا، نستطيع أن نخدع الناس طول الوقت.

في إتفاقية نيفاشا كان هناك بند الإحتفاظ ب 1500 جندى لكل طرف (الحكومة والحركة الشعبية)، داخل العاصمة الخرطوم، للإلتفاف حول هذا الأمر، حولت حكومة الإنقاذ الشرطة الى جيش، ورأينا لأول مرة شرطة بدبابات وعربات مدرعة في الخرطوم، ظنا منها بأن هذا الأمر فايته على الحركة، لكن الجنوبيون كانوا فقط ينتظرون الإستفتاء حيال شريك غير نزيه، ليقرروا مصيرهم، ولسان حالهم يقول حولوا حتى أطباءكم إلى جنود مقاتلين، فما علينا بما تفعلونه بعد أن ننفصل نحن بالجنوب. اللص عندما يسرق إطلاقا لا يعتقد أن أحدا سيكشفه ويكون مطمئنا عندما يسرق، لكن ينكشف أمره فيما بعد، فيستحقره الناس، هذا حال كل خائن. نحن في السودن مطالبون أن نقوم بمراجعات شاملة لتاريخنا بكل صدق وأن نقدم تنازلات مؤلمة كي تستقيم الأمور، وإلا فسيكون طويلا ذلك الطريق الى الإستقرار.

بعد إتفاقات السلام، شاهدنا أعداد كبيرة من أسرى الجيش السوداني لدي الحركة الشعبية، نقلوا بالطائرات للخرطوم، ولكن الجانب الحكومي، لم يرسل أسيرا واحدا إلى جوبا، طبعا ( أكسح أمسح آكلوا ني ما تجيبوا حي) وكذلك لم يكن أحدا على إستعداد لتحمل الأعباء الإدارية لهكذا أسرى في الجانب الحكومي. المهمة الضخمة الملقاة على عاتق لجنة إزالة التمكين، والتجاوزات الهائلة التي تعمل اللجنة علي تصحيحها، تخبرنا بفداحة ما كنا فيه من الظلم، لكن بالمقابل، تصورا الغرب عندما أيقن بأخطاء إستعباد الناس و تجارة الرقيق، عندما آمن الناس في الغرب بصدق أهمية حياة السود بعد إغتيال جورج فلويد، أنظر كيف صاروا يحطمون تماثيل رموزهم وآبائهم وأجدادهم  من تجار الرقيق.