X

د ناهد قرناص تكتب: الكتابة خارج السرب

كان في نيتي الكتابة عن مؤتمر المانحين الذي لم يغادر فيه الكتاب من متردم ..اما خياري الاخر فقد كان الكتابة عن خروج 30 يونيو ..والذي انقسم فيه الناس بين مؤيد ومعارض ومحايد ..لكني لم استطع الكتابة ..ببساطة لاني عقلي متوقف عن التفكير ..تماما ..كأن هناك من ضغط على زر الايقاف وجعلني ساهمة اردد (انا مين ..انا فين) ..وكل ذلك من الكهرباء وحكاياتها العجيبة التي لا تنتهي ..منذ البارحة وحتى كتابة هذا المقال لم يتجاوز الامداد الكهربائي لمنزلنا العامر اكثر من خمسة ساعات ..والباقي قطوعات.. قطوعات ..وكسور وبواقي.

ليس لي تفسير من الحالة العجيبة التي ادخل فيها بانقطاع التيار الكهربائي هذه ..قلت لنفسي (التقول انا شغالة بالكهرباء ..تلاجة انا ؟ وللا تلفزيون ) ..تذكرت ايام الطفولة في وادي حلفا حيث لا كهرباء ولا يحزنون ..والحياة حلوة والليالي جميلة حالمة ..اين تكمن المشكلة؟ وكيف كنا نعيش حياتنا عادي كدا في بقعة من اسخن بقاع الأرض ؟ ..وجدت الاجابة عند قراءتي لمقال على صفحة البي بي سي.

المقال يتحدث عن تأثير الأوبئة على فن المعمار وتقنيات البناء ..يقول المقال ان شبكات الصرف الصحي في المدن الكبرى ..كان نتيجة لوباء الكوليرا الذي اصاب الملايين في الكرة الأرضية قبل قرنين من الزمان …فتقرر تبعا لذلك انشاء قنوات ضخمة تنقل المخلفات الادمية خارج المدن وبالتالي معالجتها والتخلص منها بطرق صحية ونظيفة (طبعا دي لسه ما وصلت عندنا ) ..ما علينا ..يقول المقال ان اغلب الأوبئة في القرن الحادي والعشرين تصيب الجهاز التنفسي ..مثل السارس ..وهذا الكوفيد 19 ..واساس الانتشار هو التزاحم والتواجد في منطقة صغيرة باعداد كبيرة.

افضل مثال لذلك ان الانتشار العنيف لفايروس الكورونا كان في المدن ذات الكثافة السكانية العالية والتي تنتشر فيها المباني الضخمة ذات المدخل الواحد والمصاعد التي تجمع انفار عدة في وقت واحد والشقق الصغيرة التي تفتح في ممر واحد … يقترح المقال ان يكون البناء على شكل بيوت ارضية ذات غرف متجاورة لها نوافذ كبيرة لادخال الهواء الطبيعي وضوء الشمس ..كما يجب ان تفتح هذه الغرف على فناء واسع يتحرك فيه الهواء ويا حبذا لو تمت زراعته بنباتات طبيعية ..(ايه الجمال دا .. ناقص يحكي عن قعدة العصرية وشاي اللبن بالقرقوش )..المقال كأنه يوصف البيوت السودانية القديمة والتي هجرناها بكامل قوانا العقلية لنتطاول في البنيان ونعيش في الصناديق المصنوعة من الاسمنت ونتفاخر بأينا يستطيع ان يعلو فوق ارتفاع جاره.

شفتوا كيف ؟ اتضح بعد كل هذا الجري وراء زينة الحياة الدنيا وزخرفها ..ان الحل يكمن في بيوتنا القديمة ..فيها يكمن الحل الطبيعي لسخونة الجو ..البيوت الطينية باردة والشبابيك تسمح بحركة الهواء ..علاج طبيعي (من غير حقنة ومشرحة ) ..وربما كان هذا التفسير المنطقي لبطء انتشار الكورونا في الريف السوداني فالبيوت هناك لا تزال على هذه الشاكلة ولم يصيبها داء المدنية بعد ..وربك رحيم بعباده ..فمن لطفه علينا ان اغلب البيوت السودانية لا تزال جيدة التهوية والاضاءة ..بقى علينا نتبع الاجراءات الصحية بالتباعد الاجتماعي وغسل الايدي والتعقيم المنتظم ..وباذنه تعالى سنقدر على دحر الوباء نهائيا.. وطول ما بنغسل ايدينا ..كورونا ما بتجينا …

اما انتوا يا ناس الكهرباء .. لو امتد بي العمر واعطاني الله من المال ما يكفي ..لأشترين قطعة ارض في الاطراف ..ابنيها (جالوص) والارض افرشها رمل ..واعمل شبابيك كبيرة …واركب فيها خلايا طاقة شمسية ..وارفع علم يرفرف عاليا معلنة به استقلالي التام من الهيئة القومية للكهرباء ..وليس ذلك على الله ببعيد.

صحيفة الجريدة