X

من إرشيف عمود (الحق الواضح) .. ردٌ على الكاتب الطّاهر ساتي .. (أحَشَفَاً وسوء كَيْلَة ؟!!) (1 / 2)

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

بقلم: البروفيسور عارف عوض الركابي

وقفت على مقال نشر بهذه الصحيفة (الانتباهة) يوم الأربعاء الماضي للأخ الكاتب الطاهر ساتي بعنوان (هيئة هدم الوعي) موضوعه : إنكار زواج الفتيات دون سن الثامنة عشرة !! وتمنيت أن لو كانت لغة الكاتب (هادئة) في طرح الموضوع ومناقشته !! فإنه قد جمع بين (الأخطاء العلمية) و (العنف اللفظي) و (التشنّج) !! فاستحق أن يوصف – بجدارة – ما أتى به في مقاله المذكور بالمثل المشهور: (أحشفاً وسوء كَيْلَة ؟!!).

وإن من المصائب الكبيرة أن يكون طرح الأخ الكاتب بهذه الطريقة (المندفعة) (المتهوّرة) وهو يتناول موضوعاً شرعياً ، يجب أن يناقش بهدوء ويؤتى فيه بالأدلة الشرعية من الكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة ، ولكن الأخ الكاتب جاء في مقاله بأخطاء علمية وتأريخية كبيرة ، محتكماً إلى قوانين للأمم المتحدّة تناقض – بجلاء محكم الكتاب العزيز والسنة الغرّاء .

لنأخذ أمثلة ونماذج لبيان النفسيّة (المتوترة)، والعبارات (السيئة) مما ورد في المقال :

قال الكاتب : (تنشر هيئة علماء السودان بين الحين والآخر – وبغير وعي – في الصحف ثقافة زواج القاصرات، وكأن المجتمع السوداني ( ناقص بلاوي)..!!).

قلت : أين هي تلك (البلاوي) التي يدعيها الطاهر ساتي في زواج الفتاة بعد سن البلوغ وهي دون الثامنة عشرة ؟!

يا ابن ساتي إن والدي – رحمه الله – تزوج والدتي – رحمها الله – وهي في سن الرابعة عشرة وأنجبت خمسة أبناء وخمس بنات ، وكانت بفضل الله تعالى زيجة موفّقة مسدّدة ، بل ومثالية ، وفيها تجلّى وعي والدتي التي أحسن أهلها تربيتها ، فوقفت بجانب والدي ، وأحسنت القيام بواجبها تجاهه وتجاه أبنائها وأهلها ، وبفضل الله تعالى جميع أبناء والدتي – التي تزوجت وعمرها أربعة عشرة سنة – بلغوا في الدراسة العلمية ما بلغوا وبرزوا في تخصصات متنوعة وتميّزوا في التربية والطب والهندسة والشريعة والقانون والمحاسبة وإدارة الأعمال والمختبرات والحاسوب .. فأين (البلاوي) ؟!!
هداك الله .. وملايين الأسر المسلمة كانت ولا تزال – في بلادنا وفي غير بلادنا – تتزوج بناتها في سن دون الثامنة عشرة فأين هي (البلاوي) التي تدّعيها ؟!!

وقال الكاتب : (يومها قلت إن هذا الحديث غير مسؤول، ويجب ألا يصدر من “رجل شارع”، ناهيك أن يخاطب به أمين عام هيئة علماء السودان مجتمعاً كما المجتمع السوداني ..).

قلت : لتترفّع أيها الكاتب عن هذه اللغة !! فإنها (غير مناسبة) في الصحافة السودانية – عموماً -، فضلاً عن صحيفة “الانتباهة” التي اخترتها منبراً لنشر مقالاتي منذ عشر سنوات ، وأرجو أنه غير خافٍ على الكاتب أن قرَّاء هذه الصحيفة لا يقبلون هذه اللغة الغريبة على الصحيفة ، فإن صحيفتهم قد عهد عنها أنها تحترم وتقدّر المنتسبين إلى العلوم الشرعية عموماً ، وتخاطبهم بما يليق بمقاماتهم سواء أصابوا أم أخطأوا ، كيف والواقع أن الخطأ (الشنيع) متلبّس بمقالك – غير الموفّق – من أوله إلى آخره !!

وقال الكاتب : (ونفيدك أن زواج الطفلات – أو الصغيرات كما تسمونها – من أقدم التقاليد والعادات الاجتماعية السالبة والراسخة بأرياف السودان) .

قلت : على أي واقع أو دراسة علمية بنى الكاتب هذا الحكم ؟! ننتظر هذا التقرير الرسمي الذي بنى عليه الأخ الطاهر ساتي كلامه ، علماً بأن كلامه مخالفٌ للشرع والواقع معاً !! وفي المقابل فإنه يقال كم من حالات الطلاق وعدم الاستمرار في الزواج لزيجات كان عمر الفتاة فيها أكثر من عشرين بل أكثر من ثلاثين عاما ؟!!

وجاء الكاتب في ختام المقال المخالف للشرع والواقع بقوله : (وعليه، فالأخطر – في قضية زواج القاصرات – هو استغلال الدين وتوظيفه لصالح هذه الجريمة.. ولا يزال البعض يردد – كالببغاء بلا وعي – مزاعم زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي بنت التاسعة رغم أنف الروايات التي نفت هذا العمر).

قلت : ما شاء الله ، الآن تقمّص الكاتب شخصيّة (المُحَدّث) !! فهلّا أتحف الكاتب بهذه الروايات – التي يدّعيها – والتي تشكّك في سن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لمّا تزوّجها النبي محمد صلى الله عليه وسلم !!

لقد ورد من قول صاحبة الشأن نفسها أمنا عائشة رضي الله عنها ، وليس من كلام أحد عنها ، ولا من وصف مؤرخ أو محدث ، بل في سياق حديثها عن نفسها رضي الله عنها حيث قالت:
( تَزَوَّجَنِى النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ ، فَوُعِكْتُ فَتَمَرَّقَ شَعَرِي فَوَفَى جُمَيْمَةً ، فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي ، فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا لاَ أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي ، فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ ، وَإِنِّي لأَنْهَجُ ، حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي ، ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَأْسِي ، ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي الْبَيْتِ ، فَقُلْنَ : عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ . فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي ، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلاَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضُحًى ، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ). رواه البخاري (3894) ومسلم (1422) .. فهو متّفق عليه في الصحيحين وإن رغمت أنوف (المعاندين) .

كما روى قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة وهي بنت تسع سنين غيرُ عائشة رضي الله عنها ، ممن أدركوها وكانوا أعرف بها من غيرهم :

فقد روى الإمام أحمد في ” المسند ” (6/211) عن محمد بن بشر ، قال حدثنا محمد بن عمرو ، قال ثنا أبو سلمة ويحيى قالا : ( لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون ، قالت : يا رسول الله ! ألا تزوج . قال : مَن ؟ قالت : إن شئت بكراً ، وإن شئت ثيباً . قال : فمَن البكر ؟ قالت : ابنة أحب خلق الله عز وجل إليك : عائشة بنت أبي بكر….) وذكر تفاصيل القصة ، وفيها أنها كانت بنت ست سنين عند العقد ، ثم بنت تسع عند البناء .

وباتفاق أهل العلم أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لمّا توفي كان عمر عائشة رضي الله عنها ثمانية عشرة سنة.

قال البيهقي : ” وعائشة رضي الله عنها وُلدت على الإسلام ؛ لأن أباها أسلم في ابتداء المبعث ، وثابت عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي ابنة ست ، وبنى بها وهي ابنة تسع ، ومات عنها وهي ابنة ثمان عشرة ، لكن أسماء بنت أبي بكر ولدت في الجاهلية ثم أسلمت بإسلام أبيها… وفيما ذكر أبو عبد الله بن منده حكاية عن ابن أبي الزناد أن أسماء بنت أبي بكر كانت أكبر من عائشة بعشر سنين ، وإسلام أم أسماء تأخر ، قالت أسماء رضي الله عنها : قدمت عليَّ أمي وهي مشركة . في حديث ذكرته ، وهي قتيلة ، مِن بني مالك بن حسل ، وليست بأم عائشة ، فإن إسلام أسماء بإسلام أبيها دون أمها ، وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فكأنه كان بالغا حين أسلم أبواه ، فلم يتبعهما في الإسلام حتى أسلم بعد مدة طويلة ، وكان أسن أولاد أبي بكر ” باختصار من ” السنن الكبرى ” (6/203) .

كما تروي كتب السيرة والتاريخ والتراجم أن عائشة رضي الله عنها ماتت وعمرها (63) سنة ، وذلك عام (57هـ) ، فيكون عمرها قبل الهجرة (6) سنوات ، فإذا جبرت الكسور – كما هي عادة العرب في حساب السنين – أنهم يجبرون كسور السنة الأولى والأخيرة ، فيكون عمرها عام الهجرة (8) سنوات ، ويكون عمرها عند زواج النبي صلى الله عليه وسلم منها بعد الهجرة بثمانية أشهر (9) سنوات .

أقول : ليتك يا أخ الطاهر تكُف عن الدخول في هذه المسائل ، الزم غرزك ، واكتب فيما تحسن ، وكما قيل : لو سكت من لا يعلم لقلَّ الخلاف !! ومن تكلّم في غير فنه أتى بالعجائب !!

وأواصل بمشيئة الله في الحلقة القادمة ببيان متى تنتهي سن الطفولة ..

The post من إرشيف عمود (الحق الواضح) .. ردٌ على الكاتب الطّاهر ساتي .. (أحَشَفَاً وسوء كَيْلَة ؟!!) (1 / 2) appeared first on الانتباهة أون لاين.