X

سفينة بَوْح –إنجازات تُزيِّنها القيِّم ..!

أحياناً كثيرة تستوقفني (كثرة) ترديدنا  للمندوبات والسِمات الإيجابية للشخصية السودانية  في منهج تفاخري صاخب ، حتى أصبحتُ أميل إلى تفسير ذلك على أنهُ مُجرَّد (رفع) لروحنا المعنوية ونوع من (المقاومة) الذاتية لما يُجابه حياتنا اليومية من (إحباطات) وهموم متواترة لا تنقطع ، السودانيون يعتقدون أنهم الأكثر شجاعة وكرماً وقيَّماً أخلاقيةً مُثلى ، وهذا في حدِ ذاته إن كان صحيحاً ولم يصل حد الغرور ليس عيباً ، لكن العيب أن نعتقد أن كل تلك الصفات السامقة محصورةً فينا فقط ولا مجال لأن يوصف بها غيرنا من الشعوب.

وبالرغم من أن الواقع الحقيقي قد أثبت وعبر إعتراف وتصريحات الكثير من الشعوب الأجنبية بأن للشخصية السودانية لها ما يميِّزها من صفات إيجابية وحميدة خصوصاً في الدول التي شهدت هجرة عدد كبير من السودانيين إليها وإستقرارهم فيها مدةً من الزمان مثل دول الخليج ، إلا أن ذلك الإعتراف وتلك الإشادات لم تكن لتحدث لولا أن (الثقافة المجتمعية) في تلك المناطق كانت (تعتد) من حيث المبدأ بتلك القيَّم والسلوكيات التي يحوزها السودانيون ، فضلاً عن إعتبارها (معياراً) تفضيلياً يرفع من القيمة (الإنسانية) للحاصلين عليها ، لذا إشتهر فيها السودانيين بالمروءة والتكاتُف والأمانة والكرم وغيرها من القيِّم السمحة ، إلا أنهم للأسف كذلك إشتهروا بالبُطء والتكاسُل في أدائهم المهني.

غير أن الكثير من المجتمعات الأخرى لا (تعتد) ولا تستوعب ثقافتها السائدة بعضاً من ما نعتبره نحنُ قيِّماً ومميِّزات سلوكية ، وبالتالي لا يعتبر (الصدق) ولا (العِفة) ولا (الكبرياء) ولا حتي (الكرم) و(الشجاعة) و(المروءة) معاييراً تفضيلية يمكن أن تعمل على تمييز شخص أو ترفع من قيمته (إنسانياً) ، في تلك المجتمعات يحكُم معيار (التقييم المثالي) لمواطنيها فقط القانون واللوائح مع (القليل) من الأعراف التي لا تخرج أبداً عن ما إتفقت عليه البشرية في الحد الأدنى لأخلاقيات وسلوكيات التواصل البشري في شتى المواضيع ، فلو كنت عاملاً أو أجيراً في تلك المجتمعات فإن صاحب العمل جُل ما يهتم به في شخصك هو مقدار ما تلتزم به من واجبات مهنية ، أما أن تكون صادقاً أو كذوباً ، كريماً أو بخيلاً ، شجاعاً أو جباناً وما إلى ذلك من قيَّم فذلك ليس محل إعتداد ولا معيار للتمييز والتفضيل وليس سبباً للإطراء والتربيت على الكتوف.

نعم فينا نحنُ السودانيين الكثير من ما يستحقُ أن نحتفي به من سِمات متفرِّدة ، ولكن آن أوان إستغلالها في إطار عملي ينعكس على حركة نهضة بلادنا ورفاهيتها ،  كما آن الأوان أن ننقُل تلك القيَّم من لوحة التفاخر ، إلى جادة الواقع الفعلي لممارساتنا الحياتية الفعلية وإعمالها وإستدعائها إذا ما نازعتنا أنفسنا الأمارة بالسوء إلى ممارسة ما نُعانيهِ اليوم في مجتمعنا المعاصر من مشكلات سلوكية وأخلاقية كالجشع والغش التجاري والتكاسُل عن أداء الواجبات وضعف حساسيتنا تجاه التجويد واللامُبالاة في ما يفيد المصلحة العامة والفساد المستشري بشتى أشكاله والإستغلال وتحيُّن الفُرص للكسب السريع وغير المشروع وحالة إدعاء المعرفة (المُطلقة) في شتى الأمور وإطلاق العنان لأخيلتنا في التحليل والإجابة والإفتاء فيما نعلم ولا نعلم من أمور الدنيا والدين ، فالسلوكيات والقيَّم الأخلاقية إن (كثُر) ترديدها وإعلانها إلى  حدِ المبالغة والتطرُّف في المفاخرة ، لن يُشير هذا إلا (لإنعدام) أو (نُدرة) وجودها في الواقع المُعاش ، هذا أوان التفاخُر بالإنجازات المُزيّنة بالقيِّم.