X

عماد البليك …. أحد أبرز رواد النهضة الأدبية في الوقت الراهن

مدخل:

تسحرني لغة الجاحظ ورصانتها، وسلاسة كلماتِهَا. وحرارة رناتها، وجزالة ألفاظها، ودقة معانيها، لهذا السبب وحده سأرسم بحثي هذا بلغة الجاحظ … ..لغة البيان…فأقول
إن جميع ما تواتر في كُتب الأدباء، وما تذاكر بألسنة العظماء… وما تناظر عقول الحكماء، إن ” رائد النهضة الأدبية” هو من أسهم في تطوير الأدب وما يتفرع منه في تأليف الروايات وترجمتها. وتجديد لغة المقالات وعللها، وإثراء أرفف المكتبات ومراجِعها، وتحديث رسائل الصحافة ونمطها… واختراع أدوات الكتابة ونهجها.
كما وجدنا في بحثنا أن “رائد النهضة الأدبية” من له يبتدع النقد وضروبه، ويغذي عقل الطالب وبحوثه، ويُغني فهم القارئ وخياله،
و”رائد النهضة الأدبية “من له مقدار في النثر والشعر، ونصيب في الفلسفة والفكر، وحظّ في الكتابة والسير، فمن اجتمعت فيه تلك الصفات، وتباينت فيه تلك السِمات كان لقب (رائد النهضة الأدبية) صفة من صفاته ونعت من نعوته.

وجدنا، أن الأديب قد يكون روايًا فقط…. أو روايًا وصحفيًاـ…. أو روايًا وصحفيًا ومؤلفًا….. أو روايًا وصحفيًا ومؤلفًا وبحاثًا…. أو روايًا وصحفيًا ومؤلفًا وبحاثًا وشاعرًا…. أو روايًا وصحفيًا ومؤلفًا وبحاثًا وشاعرًا وناقدًا…. فأما أن يكون الأديب، روايًا وصحفيًا ومؤلفًا وبحاثًا وشاعرًا وناقدًا ومفكرًا وفلسفيا فلم نجده إلا عند الأديب الشاب/عماد البليك وهذا مربط مقالنا، ومضمار يحثنا.

إذا سُألنا كيف اجتمعت تلك الصفات كلها في البليك وتفرقت في غيره من الأدباء، أجبنا بأننا أطلنا الفكر في أسلوب أدبه… وأمنعها النظر في باطن كتبه، فجدنا لكل مادة حجة قوبة، ولكل باب برهان دامغ، ولكل فرع دليل قاطع، ولكل صفةٍ شاهدة بيّنة، وسنجيب على ما ذكرنا مسألة…. مسألة.

وأولى تلك المسائل، تأليف الروايات ما يتفرع عنها من كتب المعرفة وهو القطب الذي يدور عليه الأدب… إذا سأل سائل أن البليك وسائر الأدباء يستون في تأليف الروايات، ويتشاكلون في تصانيف المعرفة فما حجتنا في ذلك؟
أجبنا أننا أحصينا رواياتهم، وعددنا مؤلفاتهم، وتتبعنا مقالاتهم فوجدنا أن البليك قد تجاوز القياس، وفات المألوف بتأليفه (25) تصانيفٍ ممتعة، وكتب قيمة، وأخرى لم تنشر، ومئات من المقالات الأدبية…فهذا ما لم يجاره في تأليفها أحد، إذا قُورن ذلك مع حداثة سنه (48) عاما وقرب ميلاده (1972) وهذا أبدع من كل بديع.

فأما مسألة إثراء المكتبات العربية وأرفهها، وإغناء فهم القارئ وفكره بين التخيل والتأويل والتثقف، وتغذية عقل الطالب بين النقد والبحث والتجديد. فذلك أمر يعتدل فيه البليك وسائر الأدباء.
وقفنا مبهوتين لتعليل ذلك، بيد أننا وجدنا أن البليك تميز في تلك المسألة وتفرد بها دون غيره، فقد استفاد مبتدؤو تأليف الروايات كتابه “الرواية العربية رحلة البحث عن المعنى” فاتخذوه مرجعًا للحبكة، وعوّلوا عليه دليلًا للقصة.
والكتاب نفسه…. التمسه إحدى الجامعات العربية، فاستحسنته لطلابها، واتخذوه مادة دراسية لحملة الماجستير بعدما وجدوه جم النفع، عظيم، الفائدة في غاية الضبط والاتقان، وهذا هو الفرق بيّن لقولنا.
وإذا أضفنا. مؤلفاته الأخرى ككتابه الأشهر” قابوس بين سعيد الأمل المتحقق” الذي وجد صدى مدوي في الأوساط العمانية ،ودراساته السياسية ذات القوالب الأدبية ” مجلس التعاون مرئيات التكامل: لوجدنا ذلك أغرب من غريب.

ثمة مادة أدبية أخرى، أن البليك من المعدودين المتقدمين في الفكر، فقد بث أكثر من خمسين محاضرة أدبية في يوتيوب عن الفكر، يدعوا أن يتحرر العقل من جمود التاريخ، ينفذ إلى منافذ المستقبل، ليكون متناحي الحدود للاستنباط وما شاكله والتفكير وما وافقه…. وهو – أي البليك-ليس مفكرًا فحسب، بل عالم بأمور الفلسفة وضروبها… فليس هذا الفكر وهذه الفلسفة إلا عند المفكرين المعدودين وهذا باب لا يقاس به أحد…. ولندع هذا الباب جانبا ونتناول أخر…

فمن ذلك أنه ناقدً الفكر، وناقد الأدب، وناقد التحليل، وكما نعلم، فلا يخوض الأديب في النقد حتى يكون عارفا بالنقد والتحليل والفكر…ومن لم يكن عارفا بمعاير النقد، وأدوات التحليل، ومعاني الفكر وركب في خوض النقد والفكر، وغاص في التحليل، سقط في نظر النقاد المختصين وأصحاب الشأن المحللين سقطة ليس بعدها إقالة. ولكن للبليك في النقد وأوزانها، والتحليل وتصاريفها كلام، وعشرات المقالات في ذلك.

وخصلة أبدية أخرى بانت للبليك، هو أنه يملك معيار قياس اللغات ونمطها، وتجديد المقالات وعللها… فمن ذلك قوله” البعض يجمع حزمة مقالات ويسميها رواية”
وكما يميز لغة الرواية وزمانها، ويعرف وفنّ القصة وعصرها التي تصلح لكل مكان وزمان…. فمن ذلك قوله” إن لغة “موسم الهجرة للشمال” لا تصلح لكتابة الرواية اليوم. لأنها تجاوزت مفهوم اللغة الشعرية، وهذا دليل على ما فسرنا
وبعدما برع في التأليف والتصنيف، والنقد والتحليل، والفكر والفلسفة، عمد إلى أسلوب آخر لم نألفه وهو تناوله حياة الأنبياء بأسلوب “السرديات” وهو أسلوب مستمد من منظور الأدب، ذلك الأدب الخليط بين التصورات الواقعية والتصورات المتخيلة ويمكن اختصارها ب: “التفكر والمقارنة”.
وطريقة “السرديات” التي اتبعها البليك، ممتعة ومدهشة في الوقت ذاته! … فيتراءى للمشاهد. كأنه يشرح حياة الأنبياء من باب السير وما هو من السير، أو كأن حياة الأنبياء متصلة بآثار الحفريات وما هي بمتصلة، أو كأنها مُقتبسة من تفسير بن كثير وما هي بمقتبسة، ولعمري هذا ضرب يضاهي فلاسفة العلماء…
أما في مضمار الشعر والنثر، فله العديد من الدواوين الشعرية غير المنشورة بالشعر والنثر، مثل ديوانه” أبوجنزير ليلاً” و “فراشات الياقوت” و”رقصة في بلاد الموت على شاطئ الذكريات” وأليس هذا أغرب من كل غريب؟

صحيح أن فوز أي رواية من روايات البليك بجائزة الرواية العالمية للرواية العربية “البوكر سابقًا” كانت ستضفي لونا من الدليل على ما ذكرنا، بيد أن الجوائز لم تكن يوما قاضيا بينًا وحكما عادلا لإنصاف للأدباء. فحتى جائزة نوبل العالمية للآداب، وجائزة الأوسكار للأفلام لم تنصف بعض الأعمال العظيمة، فقد سبق أن فازت أضعف الروايات فنيًا، وأقل الأفلام جماهيريًا.
وجائزة “البوكر” لم ترتقِ إلى مصاف النزاهة في بعض دورتها بسبب انحياز بعض أعضاءها لبنى جلدتهم، كما درجت على تقديم الأعمال الأضعف فناً وتأخير الأجدر بالفوز، وصول الروايات التي تعج الأخطاء في القائمة الطويلة، وترشيح الأعمال التي أقرب إلى القصة القصيرة إلى القائمة القصيرة.
خلاصة البحث…من كان أكثرهم تأليفا في مصنفات كتب الأدب، كان له حظ في إغناء المكبات العربية، ومن كان أغنى المكتبة العربية كان له مقدار في تثقيف القارئ العربي والطالب الأكاديمي…ومن اجتمعت فيه تلك الصفات كان أولى ان يكون لقب “رائد النهضة الادب” صفه من صفاته ونعت من نعوته…. وهذا ما اجتمع في البليك وتفرق في غيره،

ومع ذلك، لا ننكر فضل جميع الأدباء في إثراء المكتبات العربية وترجمة أعمالهم إلى لغات عالمية فنعرض عنهم صفحًا، فقد دافعو عن الأدب العربي ودفعوا به إلى أفاق أرحب.
وهذه هي الشواهد الظاهرة…والحجج القوية والأدلة الدامغة فيما قلنا…….والدليل التام لكل ما سألنا…. والجواب الجامع لكل ما فسرنا.

كاتب سوداني – الدوحة – دولة قطر

abu_elbashr@yahoo.com